من أعظم مظاهر التنشئة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع أصحابه على أنهم قوالب ونسخ متشابهة، بل عرف مواهبهم، وأدرك اختلاف قدراتهم، ووضع كل واحد منهم في المجال الذي يتناسب معه ويستطيع أن يقدم فيه أفضل ما عنده.
وكان صلى الله عليه وسلم يشجع أصحابه على تنمية مواهبهم وإظهار قدراتهم، ومن ذلك ما ظهر في تلاوة القرآن الكريم؛ فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». وهذا يتضح فيه تقديره للقراءة، وتشجيعه له على الاستمرار في موهبته وتنميتها.
ولما سمع قراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود»، وهذا يُعتبر إشادة بجمال صوت أبي موسى وحسن تلاوته، وتشجيعًا له على توظيف موهبته في تلاوة القرآن الكريم.
وعندما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم لغة اليهود، تعلّمها في مدة وجيزة، حتى أصبح يقرأ للنبي صلى الله عليه وسلم كتبهم ويكتب لهم. وهذا يُعد نموذجًا واضحًا بالغ الأهمية في اكتشاف الموهبة اللغوية، وسرعة استيعابها في وقت قياسي، وتوظيفها لخدمة المجتمع والدعوة.
كما استثمر النبي صلى الله عليه وسلم قدرة خالد بن الوليد العسكرية الفائقة، وبرز خالد في ميادين القيادة والتخطيط العسكري، حتى صار من أبرز قادة المسلمين.
وكان صلى الله عليه وسلم يحدد مواطن التميز والكفاءة، فيقول عن معاذ بن جبل: «وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل».
ولا يخفى علينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ولّى أسامة بن زيد قيادة جيش، مع وجود كبار الصحابة، في رسالة واضحة إلى أن الكفاءة والقدرة يمكن أن تفتح للإنسان أبواب المسؤولية، ولو كان صغير السن.
ومن هنا تأتي أهمية التعليم والإقبال عليه بوصفه أساس الإبداع؛ فلا إبداع بلا علم، ولا ابتكار بلا تعلّم، ولا تقدم بدون عقول تتزود بالمعرفة. فالوحي بدأ بكلمة: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، وأكد القرآن الكريم أهمية العلم ومكانة أصحابه، فقال تعالى: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات».
ومن أبلغ المواقف الدالة على تقدير التعليم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة وسيلة لفداء بعض الأسرى في بدر، بل جعل المسجد في حياته صلى الله عليه وسلم مركزًا للتعليم والتربية الروحية بجانب العبادة.
ولما طلبت النساء تخصيص يوم للتعلم، جعل لهن وقتًا يتعلمن فيه. ومن هنا نعلم أن التعليم حق لكل إنسان، وأن حاجة المجتمع إلى الإبداع والابتكار في بنائه من أولويات المرحلة التي نعيشها.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ جيلًا يتعلم ويفكر ويبادر ويتشاور ويبتكر، فإن الوفاء لهذا الهدي النبوي اليوم يكون بتحويله إلى واقع عملي من ثقافة وممارسات، وصناعة مؤسسات، سواء في الأسرة أو المدرسة والجامعة، أو في المؤسسات في جميع المجالات العلمية والتقنية، والاستثمار في البحث العلمي، وتشجيع الشباب على العلوم والتقنية، والاستفادة الواعية من الذكاء الاصطناعي، وتوجيه الابتكار إلى حلول لمشكلات الإنسان والمجتمع.