عاجل

في الجمهورية الجديدة، لا يكتمل بناء الدولة الحديثة بالمشروعات الاقتصادية والعمرانية وحدها، وإنما يكتمل أيضًا ببناء حياة سياسية سليمة، وتفعيل مؤسسات الدولة الدستورية، وإعمال النصوص الدستورية بما يحقق الغايات التي وضعت من أجلها.
ومن هذا المنطلق، أطرح على فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي قضية أراها جديرة بالنقاش الهادئ والعميق، تتعلق بتفعيل الدور الدستوري لمجلس الشيوخ، وبصفة خاصة تفعيل المادتين 248 و249 من الدستور، بما يعيد إلى الغرفة الثانية للبرلمان كامل الدور الذي أراده لها الدستور.
مجلس الشيوخ.. غرفة ثانية للبرلمان وليس لجنة تابعة لمجلس النواب
عندما أعاد دستور 2019 مجلس الشيوخ إلى الحياة البرلمانية المصرية، لم يكن الهدف مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى هيكل الدولة، وإنما كان وراء ذلك فلسفة دستورية تقوم على وجود غرفتين للبرلمان، لكل منهما اختصاصاته ودوره، مع التكامل والتعاون بينهما.
وقد جاءت المادة 248 واضحة في تحديد الوظيفة العامة لمجلس الشيوخ، فنصت على أنه:
«يختص مجلس الشيوخ بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوسيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطي، وتوسيع مجالاته».
أما المادة 249 فقد حددت على وجه الخصوص المسائل التي يؤخذ فيها رأي مجلس الشيوخ، ومن بينها:
«مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب».
كما تنص المادة ذاتها على أن يبلغ المجلس رأيه في هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب.
وهنا تظهر بوضوح فلسفة الدستور: مجلس الشيوخ ليس لجنة تابعة لمجلس النواب، وإنما غرفة ثانية للبرلمان، لها وظيفة دستورية مستقلة، وتعمل مع مجلس النواب في إطار التكامل لا التبعية.
الإحالة إلى الغرفة الثانية.. تقليد برلماني مصري
وفكرة إحالة مشروعات القوانين إلى الغرفة الثانية في البرلمان ليست جديدة على الحياة الدستورية المصرية، وإنما لها جذور راسخة في التجربة البرلمانية المصرية.
فقد عرف دستور 1971 مجلس الشورى باعتباره الغرفة الثانية للبرلمان، ونظمت المادة 195 أخذ رأيه في عدد من الموضوعات، ومن بينها مشروعات القوانين التي يحيلها إليه رئيس الجمهورية، وكذلك مشروعات القوانين المكملة للدستور.
ولم يكن الأمر مجرد نص دستوري معزول عن الممارسة، وإنما جرى العمل في الحياة البرلمانية المصرية على إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشورى لدراستها وإبداء رأيه فيها، واستمر هذا الدور حتى حل المجلس عام 2013.
وهنا تكمن أهمية استدعاء هذه التجربة؛ فقد كان رئيس الجمهورية يمارس دوره في تفعيل اختصاص الغرفة الثانية، وكانت مشروعات القوانين تصل إلى مجلس الشورى لدراستها وإبداء الرأي فيها، بما رسخ عبر عقود تقليدًا برلمانيًا مصريًا يقوم على الاستفادة من الغرفة الثانية في مرحلة صناعة التشريع.
ومن ثم، فإن دعوتي اليوم ليست اختراعًا لمسار جديد، وإنما هي دعوة إلى استعادة وتطوير ممارسة دستورية وبرلمانية مصرية، بما يتناسب مع النصوص التي جاء بها دستور 2019، ويحقق الغاية من إعادة مجلس الشيوخ إلى الحياة البرلمانية.
ماذا تغير في دستور 2019؟
عندما عادت الغرفة الثانية للبرلمان في التعديلات الدستورية لعام 2019 تحت مسمى مجلس الشيوخ، جاءت المادة 249 بصياغة جديدة، فأصبح حق إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ مقررًا لكل من رئيس الجمهورية ومجلس النواب.
أي أن الدستور لم يُلغِ حق رئيس الجمهورية في الإحالة، وإنما أضاف إليه مجلس النواب، فأصبح الاختصاص مقررًا لجهتين دستوريتين.
وأذكر هنا، وقد عاصرت مناقشات التعديلات الدستورية لعام 2019، أن رئيس مجلس النواب آنذاك كان حريصًا على إضافة مجلس النواب إلى جانب رئيس الجمهورية في حق إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ، وهي الصياغة التي استقر عليها النص النهائي للمادة 249.
وأشير إلى هذه الواقعة لا اعتراضًا على حق مجلس النواب، فقد أصبح حقًا دستوريًا صريحًا، وإنما لتأكيد أن إضافة مجلس النواب لم تُلغِ حق رئيس الجمهورية ولم تحل محله، وإنما أصبح الدستور يمنح حق الإحالة للجهتين معًا.
ومن هنا فإن دعوتي اليوم لا تتعلق بتعديل الدستور، ولا بسحب اختصاص من مجلس النواب، وإنما تتعلق ببساطة بـتفعيل حق دستوري قائم لرئيس الجمهورية.
أين المشكلة إذن؟
منذ إقرار التعديلات الدستورية في عام 2019 وعودة مجلس الشيوخ، لم يمارس رئيس الجمهورية، بحسب ما أراه في الممارسة العملية، حقه في إحالة مشروعات القوانين إلى مجلس الشيوخ، بينما ارتبطت الإحالات العملية بما يحيله مجلس النواب.
وهنا أطرح سؤالًا مشروعًا:
هل كان المقصود من منح رئيس الجمهورية ومجلس النواب معًا حق الإحالة أن يصبح مجلس الشيوخ عمليًا منتظرًا لما يقرر مجلس النواب إحالته إليه؟
في تقديري، لا ينبغي أن تكون هذه هي النتيجة العملية لنص دستوري منح الحق لجهتين.
فإذا كان الدستور قد منح رئيس الجمهورية حق إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ، فإن تفعيل هذا الحق يمكن أن يجعل الاستفادة من مجلس الشيوخ جزءًا أصيلًا من دورة التشريع، لا أمرًا يتوقف فقط على قرار مجلس النواب.
لا أطالب بسحب حق الإحالة من مجلس النواب
وأؤكد هنا بوضوح أنني لا أطالب بسحب حق مجلس النواب في إحالة مشروعات القوانين إلى مجلس الشيوخ، فهذا حق دستوري صريح.
كما أنني لا أطالب بأن يحل مجلس الشيوخ محل مجلس النواب في ممارسة الاختصاص التشريعي.
فالدستور جعل سلطة التشريع في مجلس النواب، ومجلس الشيوخ يمارس دوره الذي حدده الدستور في الدراسة وإبداء الرأي والخبرة.
والمطلوب هو أن يعمل المجلسان في إطار دستوري واضح:
مجلس النواب يمارس اختصاصه التشريعي، ومجلس الشيوخ يقدم خبرته الدستورية والتشريعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية.
وهذا هو جوهر فكرة الغرفتين.
مجلس الشيوخ أولًا.. حتى يصل رأيه إلى مجلس النواب قبل التشريع
وهنا أصل إلى جوهر دعوتي.
أنا لا أرى أن الأفضل هو مجرد إحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ بالتزامن مع إحالتها إلى مجلس النواب، وإنما أرى أن تكون إحالتها إلى مجلس الشيوخ سابقة على إحالتها إلى مجلس النواب، بمدة تسمح له بدراستها وإعداد تقريره بشأنها.
فالغاية من تفعيل المادة 249 ليست أن يدرس مجلس الشيوخ مشروع القانون بعد أن يكون مجلس النواب قد بدأ مناقشته أو قطع شوطًا في إقراره، وإنما أن يستفيد مجلس النواب من رأي الغرفة الثانية وخبرتها وهو يبدأ ممارسة اختصاصه التشريعي.
وبذلك يمكن أن يكون المسار على النحو الآتي:
رئيس الجمهورية يحيل مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ → مجلس الشيوخ يدرسه ويعد تقريره ورأيه → ثم يُحال المشروع إلى مجلس النواب مرفقًا برأي مجلس الشيوخ وتقريره → ويبدأ مجلس النواب مناقشته وهو أمامه خلاصة دراسة مؤسسية متخصصة.
وهذا، في تقديري، يجعل تفعيل المادة 249 أكثر فاعلية وأقرب إلى الحكمة من إنشاء غرفة ثانية للبرلمان.
فمجلس الشيوخ هنا لا يصبح جهة تراجع ما انتهى إليه مجلس النواب، وإنما بيت خبرة تشريعية يمد مجلس النواب بالدراسة والرأي قبل أن يبدأ الأخير ممارسة اختصاصه التشريعي.
تقرير مجلس الشيوخ.. قيمة تشريعية مضافة
يمكن أن يتضمن تقرير مجلس الشيوخ، بحسب طبيعة كل مشروع قانون:
الملاحظات الدستورية والقانونية.
مدى اتساق النصوص الجديدة مع التشريعات القائمة.
كشف أوجه التعارض أو التداخل بين القوانين.
الملاحظات المتعلقة بصياغة النصوص.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمشروع.
الآثار المتوقعة عند التطبيق.
المقترحات المتعلقة بآليات التنفيذ.
التعديلات التي يراها المجلس ضرورية لتحقيق أهداف التشريع.
التنبيه إلى الثغرات التي قد تؤدي إلى مشكلات عند التطبيق.
وعندئذ يدخل مشروع القانون إلى مجلس النواب وقد سبقته دراسة متأنية من الغرفة الثانية للبرلمان.
ولا يعني ذلك أن يكون مجلس النواب ملزمًا بالأخذ برأي مجلس الشيوخ؛ فاختصاص التشريع يظل لمجلس النواب، وإنما يكون أمام أعضائه رأي مؤسسي وخبرة تشريعية يمكن الاستفادة منها في مناقشة المشروع وصياغة نصوصه والوصول إلى أفضل صورة ممكنة للتشريع.
وهنا تتحقق قيمة حقيقية لفكرة المجلسين:
خبرة تسبق التشريع، وتشريع يستفيد من الخبرة.
من الرقابة اللاحقة إلى الوقاية التشريعية
لقد اعتدنا في كثير من الأحيان أن نكتشف عيوب التشريع بعد صدوره، عندما تظهر مشكلات التطبيق أو تتعدد التفسيرات أو تتعارض بعض النصوص مع نصوص أخرى.
لكن الدولة الحديثة تحتاج إلى الانتقال قدر الإمكان من معالجة المشكلات بعد وقوعها إلى منعها قبل وقوعها.
وهنا تظهر أهمية مجلس الشيوخ.
فوجود غرفة ثانية تدرس التشريعات بتأنٍ، وتستفيد من خبرات أعضائها، وتقدم رأيًا مؤسسيًا قبل أن يبدأ مجلس النواب مناقشة مشروع القانون، يمكن أن يمثل إضافة مهمة إلى جودة التشريع المصري.
وهذه هي الوقاية التشريعية التي أراها واحدة من أهم الوظائف العملية التي يمكن أن يؤديها مجلس الشيوخ.
تفعيل المادتين 248 و249
إن تفعيل المادة 249 لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً شكليًا.
فالمادة 249 لا تأتي منفصلة عن المادة 248.
المادة 248 ترسم الوظيفة العامة لمجلس الشيوخ، بينما تحدد المادة 249 إحدى أهم الأدوات العملية التي يمارس بها المجلس دوره، وهي إبداء الرأي في مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه.
ومن ثم فإن تفعيل حق الإحالة المنصوص عليه في المادة 249 يساعد في تحويل المبادئ العامة الواردة في المادة 248 إلى ممارسة مؤسسية حقيقية.
وهنا يصبح مجلس الشيوخ شريكًا في تحسين البيئة التشريعية، دون أن يكون شريكًا في اختصاص مجلس النواب ذاته.
دعوتي إلى فخامة الرئيس السيسي
ومن هنا، أضع أمام فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي هذه الرؤية، باعتبارها دعوة إلى تفعيل الدستور والاستفادة الكاملة من مؤسسات الدولة التي أنشأها الدستور وحدد اختصاصاتها.
أدعو إلى أن يصدر توجيه عام، في إطار اختصاصه الدستوري، بإحالة مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور إلى مجلس الشيوخ أولًا، وقبل إحالتها إلى مجلس النواب، بمدة تسمح للمجلس بدراستها وإعداد تقريره ورأيه بشأنها.
ثم تُحال مشروعات القوانين إلى مجلس النواب، مرفقًا بها تقرير مجلس الشيوخ، حتى يبدأ مجلس النواب ممارسة اختصاصه التشريعي وهو أمامه رأي الغرفة الثانية وخبرتها ودراستها.
وهنا يصبح حق رئيس الجمهورية في الإحالة أداة لتحقيق الغاية من وجود مجلس الشيوخ، وليس مجرد نص دستوري قائم دون استثمار كامل.
ولا تعني هذه الآلية تعطيل مجلس النواب أو الانتقاص من اختصاصه، بل على العكس، فإنها تمده بخبرة تشريعية مؤسسية تساعده وهو يمارس اختصاصه الأصيل في التشريع.
التكامل لا التبعية
نحن في حاجة إلى مجلس نواب قوي يمارس اختصاصه التشريعي، ومجلس شيوخ قوي يمارس دوره في الدراسة والخبرة وإبداء الرأي.
نحن في حاجة إلى تشريعات أكثر إحكامًا، لا إلى تشريعات أكثر عددًا فقط.
وإلى مؤسسات تتكامل، لا مؤسسات تتنافس.
وإلى الاستفادة من كل خبرة وطنية يمكن أن تسهم في بناء دولة القانون والمؤسسات.
فمجلس الشيوخ ليس غرفة زائدة في البرلمان، وليس لجنة تابعة لمجلس النواب، وإنما غرفة ثانية للبرلمان لها وظيفة دستورية يجب أن نحسن استخدامها.
إن تفعيل المادتين 248 و249 يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو تحقيق التكامل الحقيقي بين غرفتي البرلمان، واستعادة مجلس الشيوخ لدوره الدستوري كاملًا، والارتقاء بجودة التشريع المصري، وترسيخ دولة المؤسسات في الجمهورية الجديدة.
هذه ليست دعوة إلى تعديل الدستور، ولا إلى انتزاع اختصاص من مجلس النواب، وإنما دعوة إلى تفعيل نص دستوري قائم، بحيث تسبق خبرة مجلس الشيوخ عملية التشريع في مجلس النواب، فيستفيد المجلس من هذه الخبرة وهو يمارس اختصاصه الدستوري.
فالتكامل بين مؤسسات الدولة هو الطريق إلى دولة أكثر قوة، والتعاون بين غرفتي البرلمان هو الطريق إلى تشريع أكثر إحكامًا، وتفعيل الدستور هو الضمانة الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة على أساس راسخ من دولة القانون والمؤسسات.

تم نسخ الرابط