حين تتحول المسألة الفقهية من علمٍ يهدي الناس إلى معلومةٍ قد تضللهم!
نعم .. هذا ما نراه يحدث عندما ينسي العالم أو الفقيه نفسه أمام صخب الكاميرا وبريق الإعلام ..
فليس كل ما يقال في الدين يصلح أن يُقال لكل الناس في كل مكان بالطريقة نفسها.!!
بل وليس كل رأي فقهي يُنقل مجردًا من سياقه يكون نافعًا أو مفهوما.
فقد تكون المعلومة صحيحة في إطارها العلمي .. لكنها إذا عُرضت دون شرح أو ضوابط أو بيان لظروفها .. تحولت إلى باب من أبواب سوء الفهم وربما أصبحت ذريعة للتشدد والتطرف والخلاف الهدام لا الاختلاف المستساغ.
إن الفقه الإسلامي ليس مجموعة من الأحكام الجامدة التي تُلقى على الناس دون تفسير، وإنما هو علم عظيم يقوم على فهم النصوص الشرعية، ومعرفة مقاصدها، وإدراك أحوال المكلفين، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد، مع المحافظة على أصول العقيدة وثوابت التشريع.
ومن أخطر ما نواجهه اليوم أن نري بعض المتحدثين في الشأن الديني .. لاسيما قلة من العلماء منهم يعرضون مسائل خلافية أو أقوالًا غير معتبرة باعتبارها أحكامًا شرعية مستقرة، دون بيان أدلتها أو شروطها أو سياقاتها، فيظن المتلقي أن كل ما يسمعه يمثل الإسلام، وأن تطبيقه واجب في كل زمان ومكان وحال.
وقد يستند كثير من أصحاب الفكر المتطرف إلى ما يظنونه آراء فقهية صحيحة، بينما تكون تلك الآراء إما ضعيفة أو غير معتبرة أو منقولة عن سياقات تاريخية وظروف خاصة أو معروضة بصورة مبتورة تخالف فهمها الصحيح.!
وهنا تكمن مسؤولية المتحدث في الشأن الديني .. فليس كل ما يعرفه من مسائل العلم يصلح أن يطرحه على عامة الناس دون تمهيد أو تفسير أو توضيح مناسب لظروف الزمان والمكان والشخص والعرف ..
ولنا في التاريخ الإسلامي شواهد عديدة على أهمية مراعاة الأحوال والظروف. فقد غيّر الإمام الشافعي رحمه الله بعض اجتهاداته عندما انتقل من العراق إلى مصر، وهو ما عُرف بالقول القديم والقول الجديد .. نتيجة اختلاف الظروف والبيئة وما ظهر له من أدلة. كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه راعى تغير الأحوال في بعض التطبيقات، ومن أشهر الأمثلة عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حين رأى أن الإسلام قد قوي وتغيرت الظروف التي كانت تستدعي إعطاءهم.
وهذه الأمثلة تؤكد أن فهم الأحكام وتنزيلها على الواقع يحتاج إلى علم وبصيرة، وليس مجرد نقل أقوال دون إدراك لعللها ومقاصدها.
إن من أعظم نعم الله علينا أن جعل في الشريعة الإسلامية سعةً ومرونةً من خلال الاجتهاد الفقهي المنضبط، بما يجعل أحكامها قابلة للتطبيق في مختلف الأزمنة والأمكنة والأحوال، دون المساس بأصول العقيدة وثوابت التشريع.
انظر الي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .. وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .. وقوله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
وهذه النصوص تؤكد أن الشريعة تراعي قدرة الإنسان وأحواله، وأن التيسير مقصد معتبر، لكنه ليس تسيبًا ولا خروجًا على النصوص، بل هو تيسير منضبط بأصول الدين وقواعده.
ومن المهم كذلك أن ندرك أن الفقه الإسلامي لا يقتصر على المذاهب الأربعة المشهورة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي .. فقد عرفت الأمة فقهاء كبارًا ومذاهب واجتهادات معتبرة أخرى، كفقه الأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري .. وغيرهم من العلماء والفقهاء الكبار الذين أثروا التراث الفقهي الإسلامي. وهذا التنوع شاهد على سعة هذا العلم وثرائه، وليس مبررًا لانتقاء الأقوال دون ضوابط علمية.
وهنا تبرز قضية بالغة الأهمية، وهي أن علم الفقه، كغيره من العلوم، له أساليب متعددة في العرض والتدريس فهناك أسلوب يناسب المتخصصين والباحثين في الدروس العلمية والمختبرات البحثية، حيث تُناقش الأدلة والتفريعات والخلافات الدقيقة .. وهناك أسلوب آخر يناسب عامة الناس، يقوم على تبسيط المسألة وشرح معناها وبيان شروطها ومقاصدها وما يلزمهم منها في واقع حياتهم.
فليس من الحكمة أن نُلقي على عامة الناس تفاصيل الخلافات العلمية الفقهية المعقدة دون بيان .. ثم نتركهم أمام أقوال متعددة لا يملكون أدوات الترجيح بينها.
كما أن اختلاف الأفهام والقدرات العلمية يوجب على المتحدث أن يختار من أساليب البيان ما يحقق الفهم الصحيح، ويحفظ للعلم مكانته، وللناس دينهم.
إن أمانة الفقيه والداعية لا تقف عند حدود صحة المعلومة، بل تمتد إلى حسن عرضها وأمانة نقلها ووضعها في سياقها، ومراعاة أثرها في المتلقي.
فالفقه الذي لا يُحسن صاحبه عرضه قد يُساء فهمه، والكلمة الدينية التي تُقال دون حكمة قد تفتح بابًا للتشدد بدلًا من أن تكون سبيلًا للهداية.
ولذلك فإن واجبنا اليوم كشيوخ ودعاة بل وفقهاء مهما كانت درجتها العلمية .. أن نقدم الفقه للناس علمًا وفهمًا ورحمة، لا مجرد أقوال تُنقل لنستعرض بها أمام الناس قدراتنا وعضلاتنا العلمية والفقهية الفريدة بحثا عن تريند أو تميز أو غير ذلك وأن نجمع بين أصالة النص الشرعي وفقه الواقع ومراعات الحال .. حتى يبقى الإسلام هدايةً للإنسان في كل زمان ومكان.