عاجل

حكم البشعة دار الإفتاء المصرية والأزهر: ضرب من ضروب الكهانة والعرافة

تعبيرية
تعبيرية

يقول الرحالة السوري أحمد وصفي زكريا، في كتابه «عشائر الشام»: البشعة من الممارسات التي تُستخدم في بعض البيئات القبلية كوسيلة لإثبات البراءة أو كشف الكذب في القضايا الشائكة التي لا يوجد فيها دليل مادي أو شهود، وتتم هذه الممارسة عن طريق ما يعرف بـ"المُبشِّع"، وهو شخص يزعم أنه ورث هذه الممارسة غالبًا عن أجداده.

ويضيف «زكريا»: ويُعتقد المبشع أن لديه حكمة وخبرة في هذا المجال؛ حيث يقوم بتسخين قطعة معدنية على النار حتى تصل إلى درجة التَّوهُّج، ثم يُطلب من الشخص المُتَّهم (الذي يريد إثبات براءته) أن يلعق هذه القطعة المعدنية المحمَّاة بلسانه برضاه أو جبرًا عنه، ثم يشرب شربة ماء في الحال، ثم يقوم "المُبشِّع" بفحص لسان المتهم لمعرفة كذبه مِن صدقه.

حكم البشعة في الشريعة الإسلامية

ويعلق الدكتور نظير عياد مفتى الجمهورية، حول حكم البشعة في الشريعة الإسلامية قائلا: هذه الطريقة في إثبات الحقوق أو نفيها أو إثبات التهمة ومعرفة فاعلها أو نفيه، ليس لها أصل في الشرع الشريف، واللجوء إليها أو التعامل بها من الأمور المحرمة شرعًا.

حكم البشعة دار الإفتاء المصرية

ويشير مفتي الجمهورية، إلى أن وجه ذلك أن الحقوق إنما تثبت لأصحابها، أو الجرائم تثبت على مرتكبيها بوسائل الإثبات الشرعية؛ كالبينات والأيمان الواردة في الأحاديث النبوية، كما في حديث: ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ : «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» رواه الإمام البخاري، وكما في حديث : «البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَاليَمِينُ عَلَى مَن أَنْكَرَ» رواه الدَّارَقُطْنِي.

ويؤكد الدكتور نظير عياد، أن الشرع الشريف لم يجعل إثبات التَّهَم مَنُوطًا بغيرِ ما رَتَّبَهُ طريقًا لإثبات ذلك من إقرار أو بَيِّنَاتٍ أو نحوها، وإلا كان ذلك سببًا للهلاك، ونشرا للفساد وضياع الحقوق، مؤكدا أن "البَشْعَة" ضرب من ضروب الكهانة والعرافة، فهي سافرة لكشف أمر خفي، وهو صدق الإنسان أو كذبه، بوسيلة لم يجعلها الله سببًا لذلك، فالمُبشّع بعمله هذا ينصب نفسه في منزلة من يطلع على الخفايا، وهو ادعاء باطل يصطدم مع العقل.

حكم البشعة دار الإفتاء المصرية والأزهر: ضرب من ضروب الكهانة والعرافة

ويستكمل: إن التعامل بها، أيضا، يُعدّ صورة من صور التعذيب والاعتداء على النفس المحرمين شرعًا؛ فقد أمر المولى تبارك وتعالى بكل ما يحفظ الإنسان ويحميه، ونهى عن كل ما يضر به؛ فقال سبحانه وتعالى : ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه ابن ماجه.

ويشدد على أن الإيذاء محرم شرعًا بكافة أشكاله وصوره عملا بعموم قوله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب : 58]، والمعنى : "إياكم وأذى المؤمن، فإنَّ الله يحوطه ، ويغضب له"، كما في "جامع البيان" للإمام الطبري (20/ 324 ، ط. مؤسسة الرسالة) نقلا عن الإمام قتادة.

حكم البشعة الأزهر يوضح

وفي السياق ذاته، أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى، أن البشعة كهانة وادعاء لمعرفة الغيب، تُشبِه ما كان يفعله أهل الجاهلية من الاستقسام بالأزلام، الذي قال المولى سبحانه عنه: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3]، فهي باب من أبواب الفساد والباطل، يحرم العمل به والتحاكم إليه.

وبين أنها في طياتها أشكالًا من التعذيب البدني والنفسي؛ ففيها إذلال وتخويف، وتعذيب بالنار، الذي قال عنه سيدنا النبي ﷺ: «إنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بهَا إلَّا اللَّهُ»، وفيها تمثيل بالإنسان الذي كرمه الحق سبحانه، ومشددا على أن الشرع أغلق أبواب الخرافة في إثبات الحقوق، ومنع وسائلها التي تُستخدم في الابتزاز والترهيب والتلاعب بمصائر الناس، وجعل مرجع الفصل في الخصومات هو البينة لا الادعاء، صيانةً لكرامة الناس وحقوقهم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».

وأفاد مركز الفتوى العالمي، أن طرق الإثبات في الشرع محددة ومنضبطة، وممارسة «البشعة» ليست مجرد خطأ، بل جريمة شرعية وإنسانية؛ لما تشتمل عليه من الإكراه، والإيذاء الجسدي والنفسي، واستغلال الضعفاء، والتعدي على اختصاص القضاء، والإضرار بالأبرياء.

حكم نشر الأخبار المروجة للبشعة

وشدد على أن عدم جواز التحاكم إلى «البشعة»، والعمل فيها، وإكراه أحد الناس عليها، ولا الاعتداد بنتائجها؛ بل الواجب ردُّ النزاعات إلى القضاء المختص، حيث البينات، والإجراءات العادلة، وصونُ الحقوق بعيدًا عن أساليب الترهيب والابتزاز، وبما أن «البشعة» ممارسة محرمة، فإنه لا يجوز نشر المقاطع أو الصور أو الأخبار المروجة لها؛ لما يسببه من إحياء للعادات الجاهلية، وإشاعةٍ للباطل، وتعدٍّ على كرامة الإنسان، وإذكاءِ الفتنة والنزاعات في المجتمع، فضلًا عن كونه تشويهًا للوعي وهبوطًا بالذوق العام.

تم نسخ الرابط