كان صباح الرابع من نوفمبر عام 1922 يبدو كغيره من صباحات وادي الملوك؛ شمسٌ تلسع الصخور، وغبار يعلو مع كل ضربة معول، وعمّال أنهكهم البحث في موسم كاد يكون الأخير. كان هوارد كارتر قد أمضى سنوات يفتّش في الرمال، حتى ضاق به مموّله اللورد كارنارفون. وفي ذلك الصباح، كشفت المعاول عن حجر مستوٍ، فإذا به درجة سلّم منحوتة في الصخر، تهبط إلى حيث لا يعرف أحد.
مرّت هذا الشهر مئة وأربعة أعوام على ذلك الصباح، الذي غيّر مصير ملك صغير ظل نائمًا في عتمة النسيان أكثر من ثلاثة آلاف عام.
فثمة أسماء يكتبها التاريخ بمداد من ذهب. وللتاريخ في ذلك حسابات لا تخضع دائمًا لميزان الإنجاز، وحكاية توت عنخ آمون هي أجمل شاهد على هذه الحسابات.
تبدأ الحكاية في قصر تحيط به الصحراء، حيث نشأ طفل صغير يُدعى «توت عنخ آتون». كان أبوه إخناتون ملكًا حالمًا، ثار على أوضاع رجال الدين في عصره بعد أن تعاظم نفوذ كهنة طيبة حتى صاروا دولة داخل الدولة، فقرر أن يبدأ بداية جديدة في أرض بكر لم تطأها قدم ولم يمسّها شر. وهناك، في قلب الصحراء، شيّد عاصمته «أخت آتون»، وهي تل العمارنة اليوم، كأنه يكتب على صفحة بيضاء تاريخًا لم يُكتب من قبل.
لكن الأحلام الكبيرة لا تدوم دائمًا. رحل الأب، ووجد الطفل نفسه، ولم يكد يتم التاسعة من عمره، جالسًا على عرش مصر. تاجٌ أثقل من رأسه الصغير، ومملكة واسعة تنتظر من يقودها، ورجال كبار يتطلعون إليه في صمت، يتساءلون: ماذا يمكن أن يفعل صبي في مثل هذا العمر؟
اختار الملك الصغير أن يعيد إلى بلاده استقرارها، وترك مدينة أبيه الحالمة عائدًا بالبلاط إلى طيبة. وكانت إلى جواره رفيقة طفولته وزوجته «عنخ إس إن آمون»، التي غيّرت اسمها هي الأخرى، لتبدأ معه صفحة جديدة.
ولحسن الحظ، لم يكن الصبي وحيدًا في تلك الرحلة الصعبة. فقد وقف إلى جواره «آي»، العجوز الحكيم الذي خبر دهاليز الحكم سنوات طويلة، فكان له الناصح والمرشد. ووقف إلى جواره أيضًا «حور محب»، القائد الذي أمسك بزمام الجيش بيد من حديد، فحمى الحدود، وأعاد للدولة هيبتها في عيون جيرانها وأعدائها على السواء. كان حور محب رجل اللحظة بحق، الجندي الذي أدرك أن الدول تُرمَّم بالقوة التي تحرسها. ولولا هذان الرجلان، ما كان لمصر أن تعبر تلك الكبوة بسلام.
غير أن القدر لم يمهل الملك الشاب طويلًا. ففي نحو التاسعة عشرة من عمره، انطفأ فجأة كشمعة في مهب الريح، قبل أن يخوض معركة كبرى، أو يرفع معبدًا عظيمًا يحمل اسمه. ودّعته زوجته الشابة، وأُودع قبرًا صغيرًا متواضعًا في وادي الملوك، ثم مضت الأيام، حتى بدا أن الصبي سيبقى اسمًا عابرًا لا يتوقف عنده أحد.
لكن للتاريخ حسابات أخرى. فالرمال التي غطّت مدخل القبر الصغير، والركام الذي تراكم فوقه حين حُفرت مقابر أخرى بجواره، صارا حارسين أمينين أخفياه عن عيون اللصوص الذين نهبوا قبور أعظم الفراعنة. وظل الملك الصبي نائمًا في صمته أكثر من ثلاثة آلاف عام، ينتظر صباحًا من صباحات نوفمبر.
وحين عثر كارتر على تلك الدرجة الأولى، واصل الحفر حتى ظهر باب مختوم. وبعد ثلاثة أسابيع من الترقب، في السادس والعشرين من نوفمبر، أحدث ثقبًا صغيرًا في الباب، ورفع شمعته. ارتعش اللهب مع هواء محبوس منذ ثلاثين قرنًا، ثم بدأت الأشياء تظهر من العتمة شيئًا فشيئًا، وبريق الذهب في كل مكان.
وفي لحظة واحدة، خرج الملك الصبي من الظل إلى النور، وصار أشهر ملوك مصر القديمة، ووجهًا يعرفه الناس في كل مكان.
وإذا كان الذهب قد خطف الأبصار، فإن ما تحويه المقبرة أدهش العالم أكثر. كأن الملك جمع ما يخصه وحمله معه في رحلته الأخيرة: مراوحه المصنوعة من ريش النعام، ومظلته التي كانت تقيه شمس الظهيرة، وملابسه الكتانية حتى الداخلية منها، وقفازاته، وعشرات الصنادل، وأكثر من مئة عصا، إلى جانب أسرّته وكراسيه وألعابه. أكثر من خمسة آلاف قطعة، لم تكن متحفًا لعصر بأكمله، بل خزانة شخصية لملك واحد، تحكي تفاصيل يومه كأنه غادرها بالأمس.
لكن فوق كل هذا، تبقى في المقبرة حكاية أدفأ من الذهب وأبقى منه: حكاية حب تطل من كل ناحية. فعلى ظهر العرش الذهبي تقف الملكة عنخ إس إن آمون أمام زوجها في رقة، تمد يدها لتمسح كتفه بالعطر وهو جالس مسترخيًا. وعلى المقصورة الذهبية الصغيرة تتوالى لحظات من حياتهما معًا: تقدّم له الزهور، وتعقد حول عنقه القلائد، وتجلس عند قدميه وهو يصطاد الطيور فتناوله سهمًا وتشير إلى الطريدة. وعلى غطاء صندوق مطعّم بالعاج تقدّم له باقة من الزهور في حديقة مزهرة، فلا تكاد ترى ملكًا وملكة، بل شابًّا وفتاة يتبادلان الود في ربيع لا ينتهي.
وحين اقترب المكتشفون من التابوت، وجدوا فوقه أكاليل من الزهور البرية، ذبلت عبر آلاف السنين لكنها لم تفقد معناها، ويحب كثيرون أن يتخيلوا أنها آخر ما وضعته الزوجة على صدر زوجها قبل أن يُغلق عليه الباب.
هكذا تنتهي الحكاية، أو لعلها لا تنتهي أبدًا. فهي تمنحنا درسًا بسيطًا: لا أحد يعرف متى يسلّط التاريخ ضوءه على اسمه، لكن كل واحد منا يملك أن يترك أثرًا صادقًا، مهما بدا صغيرًا في عينيه. والملك الصبي، الذي لم يمهله القدر ليصنع مجدًا على ساحات القتال، ترك لنا ما قد يكون أبقى من المجد: صورة شاب أعاد إلى وطنه سكينته، وأحب زوجته فأحبته، حتى حفظ الذهب حكايتهما ثلاثة آلاف عام. وربما كانت تلك، في حسابات التاريخ، أجمل الحسابات على الإطلاق.