عاجل

لم تعد معارك الدول في العصر الحديث تدور داخل الحدود الجغرافية وحدها، ولم يعد التأثير في المجتمعات يتطلب بالضرورة استخدام أدوات القوة التقليدية، وأصبحت المعلومة واحدة من أهم عناصر القوة، وتحولت المنصات الرقمية إلى مساحات واسعة للتأثير في الرأي العام، وتوجيه النقاشات، وصناعة الانطباعات، بل والتدخل في تشكيل مواقف الأفراد تجاه الأحداث والقضايا الوطنية والدولية، وفي هذا الواقع، أصبح الوعي المجتمعي جزءا أساسيا من معادلة الأمن والاستقرار.

لقد أحدثت الثورة الرقمية تحولا عميقا في طريقة تداول المعلومات، المواطن يستطيع الوصول إلى الأخبار والآراء والوثائق خلال ثوان، ويمكن لأي مستخدم أن ينشر محتوى يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص وهذه القدرة تمثل فرصة كبيرة لتوسيع المعرفة وتعزيز المشاركة العامة، لكنها تفرض في الوقت نفسه تحديات تتعلق بسرعة انتشار المعلومات غير الدقيقة، وصعوبة التحقق من مصادرها، واستخدام المحتوى المضلل للتأثير في اتجاهات الرأي العام.

والخطورة لا تكمن في وجود اختلافات في الآراء، التعددية وتنوع وجهات النظر من سمات المجتمعات الحيوية، وإنما في تحويل الاختلاف إلى حالة من الاستقطاب الحاد، أو استخدام معلومات مبتورة ومقاطع مجتزأة لإنتاج صورة مضللة عن الواقع، المعلومة التي تنشر خارج سياقها قد تؤدي إلى استنتاجات خاطئة، والشائعة التي تتكرر عبر حسابات متعددة قد تبدو للبعض وكأنها حقيقة، رغم غياب أي دليل موثوق يؤيدها.

وتعمل حملات التضليل أحيانا وفق أساليب منظمة، تستهدف إثارة القلق أو تعميق الانقسامات أو التشكيك في المؤسسات، مستفيدة من سرعة المنصات الرقمية ومن ميل بعض المستخدمين إلى مشاركة المحتوى الذي يثير الانفعال قبل التحقق منه وقد تتداخل في هذه الحملات حسابات مجهولة ومحتويات مصطنعة ومواد مرئية جرى التلاعب بها، بما يجعل اكتشاف الحقيقة أكثر صعوبة، خاصة مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ومن هنا، لم يعد الوعي مسؤولية فردية فقط، بل أصبح قضية تتطلب تعاونا بين مؤسسات الدولة والمدرسة والجامعة والإعلام والأحزاب والأسرة، المجتمع الذي يمتلك أدوات التفكير النقدي والقدرة على التحقق من المعلومات يكون أكثر قدرة على التعامل مع الشائعات، وأقل عرضة للانقياد وراء حملات التأثير الموجهة.

وتبدأ المواجهة من التعليم، عبر تطوير مهارات القراءة والتحليل والبحث، وتعليم الطلاب كيفية التمييز بين الخبر والرأي، وبين المصدر الأصلي والمحتوى المنقول، وبين المعلومة الموثقة والاستنتاج غير المدعوم، كما ينبغي أن تتضمن المناهج والأنشطة التعليمية قدرا أكبر من الثقافة الرقمية، بحيث يصبح التعامل الواعي مع التكنولوجيا مهارة أساسية لا تقل أهمية عن المهارات التقليدية.


تفرض طبيعة المشهد الإعلامي الراهن ضرورة إعادة النظر في كيفية إدارة الوعي العام، فالمعلومة أصبحت جزءا من معادلة الاستقرار، والقدرة على تفسير الأحداث وتقديم سياقها الكامل لا تقل أهمية عن سرعة تداولها، وربط الوقائع بسياقاتها السياسية والاقتصادية، بما يمنح المواطن قدرة أكبر على التمييز بين المعلومات الموثوقة ومحاولات توجيه الرأي العام أو التأثير فيه، فالمجتمع الذي يمتلك أدوات الفهم والتحليل يكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات وأقل تأثرًا بمحاولات التضليل.


ولا يمكن إغفال دور الأحزاب السياسية في هذه المعركة؛ فهي مطالبة بتوسيع أنشطة التثقيف السياسي، وتنظيم لقاءات وحوارات حول القضايا العامة، وتقديم محتوى معرفي يساعد المواطنين على فهم التحديات التي تواجه الدولة كما أن وجود نقاش حزبي جاد قائم على المعلومات والبرامج يرفع مستوى الحوار العام، ويمنح المجتمع بدائل ورؤى متنوعة بعيدًا عن الاستقطاب والمزايدات.

أما الذكاء الاصطناعي، فيفرض تحديا إضافيا؛ إذ أصبحت تقنيات إنتاج الصور والأصوات ومقاطع الفيديو قادرة على إنشاء مواد يصعب تمييزها من المحتوى الحقيقي دون أدوات تحقق متخصصة، لكن التعامل مع هذه التقنيات لا ينبغي أن يقوم على الخوف منها أو رفضها، وإنما على فهم إمكاناتها ومخاطرها، ووضع قواعد لاستخدامها المسؤول، وتطوير أدوات الكشف عن المحتوى المصطنع، وتعزيز الوعي بضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية قبل تداول المواد المثيرة للجدل.

وفي هذا الإطار، يجب أن تقوم العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية على فهم دقيق؛ حماية المجال العام لا تعني إغلاق باب النقاش أو التضييق على الاختلاف، بل تعني توفير بيئة تسمح بتداول الآراء والمعلومات في إطار القانون، وتواجه التلاعب المتعمد والتزييف والتحريض بالمعلومة والحجة والإجراءات القانونية المنضبطة.

إن بناء الوعي عملية طويلة الأجل، لا تنجزها حملة إعلامية عابرة أو رسالة توعوية منفردة إنها منظومة تبدأ من المدرسة، وتتواصل عبر الإعلام، وتتعمق من خلال الثقافة والعمل الحزبي والمشاركة المجتمعية، وكلما امتلك المواطن أدوات التحقق والتحليل، أصبح أكثر قدرة على حماية نفسه ومجتمعه من التضليل.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على المعرفة والتكنولوجيا والتأثير، يصبح الوعي أحد أهم مصادر القوة الوطنية، المجتمع الذي يعرف كيف يفكر، وكيف يتحقق، وكيف يختلف دون أن ينقسم، يمتلك قدرة أكبر على حماية استقراره وصناعة مستقبله، ومعركة الوعي ليست معركة ضد التكنولوجيا، بل معركة من أجل استخدامها لصالح الإنسان والدولة والمجتمع.

تم نسخ الرابط