نموذج ملهم، عندما نتحدث عن رجل تجاوز السبعين من عمره، وحقق نجاحات كبيرة في الصحافة والإعلام والبرلمان، ثم تراه يعود إلى مقاعد الدراسة ويحصل على درجة الماجستير، فتدرك أن هناك سرا وراء هذه الشخصية لا بد أن تتوقف أمامه.
الكاتب الصحفي، مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، هو نفسه الطالب الذي حصل على درجة الماجستير في إدارة المخاطر والأزمات بجامعة القاهرة، أمس، هو نفسه الرجل الذي قضى سنوات طويلة في العمل الصحفي والإعلامي والبرلماني، وخاض معارك ومواقف كثيرة، وحقق نجاحات يصعب حصرها.
هذا السياسي المخضرم والنائب والإعلامي البارز، حقق كل هذا التاريخ، وقرر أن يعود إلى مقاعد الدراسة مجددا، ويحصل على درجة الماجستير، وكأنه يريد أن يبعث برسالة إلى جيل كامل من الشباب مفادها : لا تتوقف عن التعلم، ولا تجعل العمر حجة للتراجع، ولا تظن أن ما حققته من نجاحات يعفيك من السعي إلى المزيد.
أعمل مع الأستاذ مصطفى بكري منذ 15 عامًا، سواء في صحيفة الأسبوع أو في برنامجه حقائق وأسرار بقناة صدى البلد، الذي قضيت فيه ١٠ سنوات حتى الآن، وخلال هذه السنوات لم تكن علاقتي به مجرد علاقة رئيس بفريق عمله، بل كانت فرصة يومية لمشاهدة نموذج مختلف في الإرادة والطموح والمثابرة.
من أكثر الأمور التي ظلت تثير دهشتي طوال سنوات عملي معه، أنني لم أستطع يومًا معرفة متى ينام هذا الرجل ، تتصل به في الفجر يرد، وتعاود الاتصال به صباحًا فتجده حاضرًا، وتتحدث معه ظهرًا فتجده يتابع ويتحرك، وفي المساء تجده في قلب العمل، يتابع الأخبار والملفات ويتواصل مع الجميع.
أصبح الأمر بالنسبة لي لغزا حقيقيا ، متى ينام الأستاذ مصطفى بكري؟ وكيف يستطيع أن يحتفظ بكل هذا النشاط الذهني والحضور والتركيز، وسط هذا الكم الهائل من المسؤوليات والانشغالات؟.
رأيت الرجل وهو يذهب إلى المحاضرات بجدية شديدة، يتابع ويستمع ويناقش، ويتعامل مع الدراسة باعتبارها مسؤولية حقيقية، ليس مجرد لقب جديد أو شهادة تعلق في مكتبه.
هنا تحديدا يكمن أحد أسرار نجاح مصطفى بكري ، عقله حاضرا، وذهنه يقذ دائما، وذاكرته مشغولة بالتفاصيل، يمتلك قدرة كبيرة على متابعة أكثر من ملف في الوقت نفسه، ولا يتوقف عن القراءة والبحث والسؤال.. لديه رصيد كبير من الخبرة السياسية والإعلامية والبرلمانية، لكنه لم يسمح لهذه الخبرة بأن تتحول إلى قناعة بأنه لم يعد بحاجة إلى التعلم.
خلال مسيرته، خاض مصطفى بكري معارك صحفية وبرلمانية عديدة، وشغل عضوية مجلس النواب لخمس دورات متتالية ، وحظي بتقدير علني من الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، وكان آخرها وصفه له بأنه : الأستاذ مصطفى بكري عزيز عليا.
لكن بعيدًا عن الألقاب والمناصب، هناك جانب آخر لا يعرفه كثيرون، ولا يظهر بالضرورة أمام الكاميرات، مصطفى بكري لا يترك الهاتف من يده، ليس فقط لمتابعة الأخبار والسياسة، وإنما أيضًا لمتابعة شكاوى الناس ، شاهدته بنفسي يرد على اتصالات مواطنين، ويتابع استغاثة سيدة مقهورة، أو شكوى رجل تعرض للظلم، ويتواصل مع الوزير المختص شخصيا ، لمحاولة حل مشكلة أو إنقاذ حياة إنسان.
قد يظن البعض أن هذه التفاصيل صغيرة أمام حجم مسؤولياته، لكنها بالنسبة إلي تكشف جانبًا أساسيًا من شخصيته ، فهو لا يتعامل مع شكوى المواطن باعتبارها عبئًا إضافيًا، بل باعتبارها مسؤولية لا يجوز تجاهلها.
أتذكر جيدًا ما حدث مع أهالي قريتي أبو حزام وحمر دوم بمحافظة قنا، بلد الأستاذ مصطفى ، منذ ٤ سنوات، و خلال 48 ساعة فقط، التقى نحو 15 وزيرًا ومسؤولًا في ملفات خدمية وجماهيرية، لمتابعة مشكلات أهله والعمل على حلها.
كنت أتابع هذا التحرك وأتساءل .. من أين يأتي بكل هذا الإصرار؟ وكيف يستطيع أن يخصص هذا الوقت والجهد لمتابعة كل هذه الشكاوى، وسط انشغالاته الإعلامية والبرلمانية والسياسية؟.
الحقيقة أنني لم أرى منه يومًا تجاهلا لشكوى تصل إليه، أو ضيقا من مواطن يطلب المساعدة، حتى إن بعض الاتصالات تأتي في أوقات لا يكون فيها متفرغا، لكنه يحاول أن يستمع ويتابع ويتحرك.
يمكن أحد أسرار شخصية مصطفى بكري ، تكمن في أنه لا يتعامل مع كل الأحداث بانفعال، وإنما يحاول أن يقرأ ما وراءها، ويفهم أبعادها السياسية والوطنية، ويزن كلماته ومواقفه جيدا قبل التحدث.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي خلال سنوات عملي معه حرصه الدائم على عدم الاختلاف مع مؤسسات الدولة الوطنية، وإيمانه بأهمية الحفاظ عليها، وهو موقف أراه جزء من فطرته الوطنية ، إنسان محب لوطنه بصدق حتى النخاع.
أما على المستوى الإنساني، فقد شاهدت جانبا آخر داخل أسرته.. فرغم مكانته وحضوره العام، فإن أبناءه لا يتعاملون مع الناس باعتبارهم أبناء رجل صاحب نفوذ أو شهرة ، لا أنسى موقف نجله أحمد بكري ، عندما دخل علينا في القناة، رأيناه إنسانا بسيطا ليس أبن مسئول كبير ، ومر على الزملاء واحدًا تلو الآخر، يصافحهم ويحتضنهم بكل ود وتواضع، رغم أنه لم يكن يعرف معظمنا من قبل.. كان موقفا بسيطا، لكنه ترك لدي انطباعًا عن التربية الأصيلة لأبنائه .
خمسة عشر عامًا من العمل جعلتني أرى أن سر نجاح مصطفى بكري لا يرتبط بموهبة صحفية أو حضور إعلامي أو خبرة سياسية فقط، وإنما بمجموعة من الصفات التي اجتمعت في شخصيته ، قوة الإرادة، والقدرة على الصمود، والحنكة، والرزانة، والطموح الذي لا ينتهي، والإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد مهما تقدم به العمر.
لكن أكثر ما يلهمني في تجربة مصطفى بكري اليوم ليس ما حققه في الماضي، وإنما ما يفعله الآن ، رجل تجاوز السبعين، لديه تاريخ طويل في الصحافة والإعلام والبرلمان، وله حضور واسع وعلاقات ممتدة على المستوي الداخلى والخارجي ، ومع ذلك يجلس في قاعة محاضرات طالبا للعلم، يستمع ويسجل ويتابع، وكأنه يبدأ رحلته من جديد.
كم شابا في الثلاثين أو الأربعين توقف عن التعلم، وكم إنسانا اعتقد أن الفرصة انتهت، وكم شخصا جعل من العمر أو ظروف الحياة مبررا للتراجع؟.. وهنا تأتي قيمة تجربة مصطفى بكري، وسر نجاحه.