عاجل

الجنيه الرقمي المصري.. من رقمنة المدفوعات إلى إعادة هندسة النظام النقدي

دكتور معتصم ابو خضره
دكتور معتصم ابو خضره

اكتسب مشروع الجنيه الرقمي المصري أهمية تتجاوز فكرة إصدار نسخة إلكترونية من العملة الوطنية؛ إذ يطرح تساؤلًا استراتيجيًا حول قدرة مصر على الانتقال من رقمنة وسائل الدفع القائمة إلى تطوير بنية نقدية جديدة تتيح إدارة أكثر كفاءة للمعاملات المالية، وتدعم الشمول المالي، وتفتح مسارات إضافية للتسويات التجارية، دون المساس باستقرار العملة أو استقلالية السياسة النقدية. فالقضية الحقيقية ليست متى يصبح الجنيه متاحًا على الهاتف المحمول، وإنما كيف يمكن توظيف التكنولوجيا لإعادة بناء الثقة في المعاملات، وخفض تكلفة تداول الأموال، ورفع كفاءة الاقتصاد الرسمي.

وتكشف مؤشرات انتشار الخدمات المالية الرقمية عن اتساع القاعدة التي يمكن أن ينطلق منها هذا التحول. فقد أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وصول عدد المحافظ الإلكترونية التابعة لشركات الاتصالات إلى نحو 57 مليون محفظة خلال النصف الأول من عام 2026، بينما ارتفعت قيمة المعاملات المنفذة عبرها إلى نحو 2.96 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها. كما أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع معدل الشمول المالي إلى 77.6% بنهاية عام 2025، بما يعكس اتساع استخدام الحسابات والخدمات المالية الرسمية. غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعني أن مصر أصبحت جاهزة تلقائيًا لإطلاق عملة رقمية للبنك المركزي؛ فهي تثبت وجود قاعدة متنامية من المستخدمين والبنية الرقمية، لكنها لا تغني عن استيفاء المتطلبات الفنية والتشريعية والرقابية اللازمة لإصدار شكل جديد من النقود.

وتكمن أهمية التمييز هنا في أن الجنيه الرقمي، إذا تقرر إصداره، لن يكون مجرد محفظة إلكترونية جديدة، ولن يكون نسخة مصرية من بيتكوين أو العملات المشفرة المتقلبة، وإنما سيكون في جوهره شكلًا رقميًا من العملة الرسمية يصدره البنك المركزي وتستند قيمته إلى العملة الوطنية. أما المحافظ الإلكترونية وتطبيقات التحويل الفوري، فهي أدوات تتيح نقل الأموال وتسوية المدفوعات باستخدام أرصدة قائمة بالفعل في حسابات أو منظومات دفع مختلفة. وبعبارة أخرى، فإن رقمنة وسيلة الدفع تختلف عن رقمنة النقود ذاتها؛ فالأولى تطور الطريقة التي نستخدم بها الأموال، بينما قد تفتح الثانية المجال أمام إعادة تصميم بعض وظائف النظام النقدي وآليات تسوية المعاملات.

لكن الانتقال من هذا المفهوم إلى التطبيق لا يجوز التعامل معه باعتباره قرارًا تقنيًا يمكن حسمه بمجرد تطوير منصة إلكترونية. فإصدار عملة رقمية للبنك المركزي يتطلب تحديد نموذج التشغيل، وطبيعة العلاقة بين البنك المركزي والبنوك التجارية، وحدود الاحتفاظ بالأرصدة الرقمية، وقواعد التحقق من هوية المستخدمين، وآليات حماية البيانات، وإجراءات مواجهة الاحتيال والهجمات السيبرانية، فضلًا عن تحديد ما إذا كانت العملة ستُستخدم في المدفوعات اليومية فقط أم ستشمل معاملات مؤسسية وتجارية أكثر تعقيدًا. كما أن اختيار النموذج المناسب يجب أن يوازن بين سهولة الاستخدام وسرعة التسوية من ناحية، وحماية الاستقرار المالي ومنع انتقال الودائع المصرفية بصورة مفاجئة من البنوك إلى أرصدة مباشرة لدى البنك المركزي من ناحية أخرى.

وتوفر التحركات المصرية في مجال التعاون المالي الدولي أرضية مهمة لدراسة هذه الخيارات. ففي يوليو 2025، وقّع البنك المركزي المصري مذكرة تفاهم مع بنك الشعب الصيني شملت التعاون في مجالات السياسة النقدية والأسواق المالية وأنظمة الدفع والتكنولوجيا المالية والرقابية، إلى جانب التعاون في العملات الرقمية للبنوك المركزية. وتؤكد هذه الخطوة وجود اهتمام مؤسسي بتبادل الخبرات في هذا المجال، لكنها لا تعني في حد ذاتها أن قرار إصدار الجنيه الرقمي قد اتُّخذ نهائيًا، أو أن موعد إطلاقه أصبح محسومًا. فالتمييز بين التعاون البحثي والاختبار الفني والقرار الرسمي بالإصدار ضروري لتكوين صورة واقعية عن مراحل المشروع ومستوى تقدمه.

اقتصاديًا، قد تتمثل القيمة الأولى للجنيه الرقمي في قدرته على تقليل الاحتكاكات التي تصاحب تداول الأموال وتسويتها. فكلما أمكن تنفيذ المعاملات بسرعة وأمان وبتكلفة أقل، تحسنت كفاءة المدفوعات، وانخفضت بعض الأعباء المرتبطة بإدارة النقد الورقي ونقله وتأمينه، وأصبحت تسوية عدد من المعاملات أكثر قابلية للتتبع والتحليل. لكن تقدير الوفر المالي الفعلي يتطلب دراسة متكاملة لتكاليف إنشاء البنية التحتية الرقمية وصيانتها وتأمينها وتحديثها؛ إذ لا تختفي التكلفة لمجرد انتقال النقود من الورق إلى الشاشات، وإنما يتغير هيكلها من تكاليف مادية ولوجستية إلى استثمارات تقنية وتشغيلية وأمنية مستمرة.

وتبرز فرصة أكثر عمقًا في العلاقة بين العملة الرقمية والاقتصاد غير الرسمي. فالمعاملات النقدية التي تتم خارج المنظومة الرسمية تحد من قدرة المؤسسات على تكوين صورة دقيقة عن النشاط الاقتصادي، وتقلص فرص بعض المشروعات الصغيرة في بناء سجل مالي يتيح لها الحصول على التمويل. وإذا صُمم الجنيه الرقمي بطريقة بسيطة ومنخفضة التكلفة، وأُتيح استخدامه عبر قنوات مناسبة لمختلف الفئات، فقد يساعد على توسيع نطاق المدفوعات المسجلة، وتحسين قدرة المشروعات الصغيرة على إثبات إيراداتها، وتطوير نماذج أكثر دقة لتقييم الجدارة الائتمانية.

ومع ذلك، فإن إدخال الأموال في منظومة رقمية لا يعني بالضرورة إدخال النشاط الاقتصادي كله إلى الاقتصاد الرسمي. فالتاجر الصغير لن يغيّر طريقة عمله لمجرد إتاحة وسيلة دفع جديدة إذا كانت تكاليف الامتثال مرتفعة، أو كانت إجراءات التسجيل معقدة، أو لم يجد حوافز اقتصادية واضحة لاستخدامها. لذلك، فإن نجاح أي عملة رقمية وطنية في هذا المسار سيعتمد على تكاملها مع سياسات ضريبية عادلة، وإجراءات تأسيس مبسطة للمشروعات الصغيرة، وتوسيع التمويل الرسمي، وتوفير خدمات رقمية موثوقة. التكنولوجيا تستطيع تحسين قابلية التتبع، لكنها لا تعوض وحدها عن الإصلاح المؤسسي.

أما في مجال الدعم الحكومي، فتفتح العملات الرقمية للبنوك المركزية نقاشًا مهمًا حول إمكانية تنفيذ التحويلات العامة بصورة أسرع وأكثر دقة، وربط بعض المدفوعات بقواعد محددة مسبقًا. وقد تسمح بعض التصاميم التقنية، إذا أُقرت قانونيًا ورقابيًا، بتوجيه مبالغ إلى مستفيدين بعينهم أو تنفيذ برامج دعم وفق ضوابط واضحة، بما قد يقلل بعض أخطاء الصرف والتأخير. غير أن هذه الإمكانية لا ينبغي أن تتحول إلى افتراض بأن كل جنيه رقمي سيكون قابلًا للبرمجة أو التقييد تلقائيًا؛ فهذه خصائص يحددها التصميم المعتمد، وليست صفة لازمة لكل عملة رقمية.

كما أن استخدام هذه الأدوات في الدعم الاجتماعي يستدعي ضمانات صارمة تمنع التوسع غير المنضبط في مراقبة المواطنين أو فرض قيود غير مبررة على إنفاقهم. فالكفاءة المالية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على توجيه الأموال، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية الحقوق، وصون الخصوصية، وتوفير آليات تظلم واضحة، ومنع استبعاد المستحقين بسبب أخطاء تقنية أو نقص القدرة على استخدام الأدوات الرقمية. وأي نموذج يفقد ثقة المواطن، حتى لو كان متقدمًا تقنيًا، قد يواجه مقاومة تحد من انتشاره وتقلل من جدواه الاقتصادية.

وفي إدارة السياسة النقدية، قد تتيح البيانات الناتجة عن منظومة رقمية متطورة فهمًا أفضل لأنماط المدفوعات وسرعة دوران الأموال، بما يدعم التحليل الاقتصادي وتقييم بعض المؤشرات في توقيتات أقرب إلى الواقع. لكن الوصول إلى هذه البيانات واستخدامها يظلان مشروطين بالقواعد القانونية والخصوصية وتصميم النظام. كما أن الجنيه الرقمي لن يمنح البنك المركزي قدرة آلية على السيطرة على التضخم؛ فالتضخم ظاهرة تتأثر بعوامل متعددة، تشمل نمو السيولة والطلب، وتكاليف الإنتاج والاستيراد، وسعر الصرف، والتوقعات، وأوضاع العرض في الاقتصاد. ومن ثم، فإن القيمة النقدية للعملة الرقمية ستتوقف على جودة السياسات التي تديرها، لا على التكنولوجيا التي تحملها وحدها.

وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية، تزداد أهمية هذا الملف مع توسع النقاش العالمي حول تسوية المدفوعات عبر الحدود باستخدام العملات الوطنية والبنى الرقمية المشتركة. فالتعاون المصري الصيني في مجال العملات الرقمية للبنوك المركزية، إلى جانب العمل على تطوير أنظمة الدفع والتسوية بالعملات المحلية، يمكن أن يهيئ مساحة لتبادل الخبرات واختبار حلول تقلل بعض تكاليف المعاملات وتزيد سرعة التسوية التجارية. إلا أن خفض الاعتماد على الدولار لا يتحقق بمجرد استخدام وسيلة دفع رقمية؛ إذ يتطلب توافر تجارة متوازنة نسبيًا، وقابلية فعلية لاستخدام العملات المحلية، وأسواقًا قادرة على توفير السيولة، وأطرًا قانونية وتسوية مصرفية موثوقة. فالعملة الرقمية قد تطور قناة الدفع، لكنها لا تلغي تلقائيًا الاختلالات التجارية أو الحاجة إلى العملات الأجنبية.

ومن هنا، يمكن تصور ثلاثة مسارات مستقبلية أمام مشروع الجنيه الرقمي. يتمثل السيناريو الأول في التقدم التدريجي، عبر استكمال الدراسات والاختبارات الفنية، ثم إطلاق محدود في نطاقات استخدام محددة، مع تقييم أثره على سلوك المستخدمين والسيولة المصرفية وكفاءة التسوية قبل التوسع. ويمنح هذا المسار السلطات النقدية فرصة لمعالجة الثغرات وتطوير الضوابط، لكنه يتطلب وضوحًا في الأهداف ومعايير معلنة لتقييم النجاح.

أما السيناريو الثاني فيقوم على التوسع السريع في الاستخدامات، وربط العملة الرقمية بخدمات الدفع الحكومية والتجارية ومنظومات التسوية، وهو مسار قد يحقق مكاسب أكبر في الكفاءة والانتشار، لكنه يرفع في الوقت نفسه متطلبات الأمن السيبراني والحوكمة وحماية البيانات، ويستدعي إدارة دقيقة للعلاقة بين الأرصدة الرقمية والودائع المصرفية. وتكمن مخاطره في أن الانتشار السريع قبل اكتمال الاستعداد المؤسسي قد يحوّل أداة التطوير إلى مصدر ضغط على الثقة والاستقرار.

ويتمثل السيناريو الثالث في تأجيل الإطلاق الواسع مع التركيز على تطوير منظومة المدفوعات الحالية، وتحسين التكامل بين المحافظ الإلكترونية والتحويلات الفورية والبنوك الرقمية وأنظمة التسوية. ولا يعني هذا المسار التخلي عن التطور النقدي، بل قد يكون خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا إذا أظهرت الدراسات أن المنافع الإضافية للعملة الرقمية لا تبرر بعدُ تكاليفها ومخاطرها، أو أن استكمال البنية الحالية يحقق جزءًا كبيرًا من الأهداف المطلوبة بتكلفة أقل. فالنجاح لا يُقاس بسبق موعد الإطلاق، وإنما بمدى ملاءمة الأداة للاحتياجات الفعلية للاقتصاد.

والأرجح أن المسار الأكثر اتزانًا لمصر هو التدرج المدروس، بحيث يبدأ بتحديد الاستخدامات ذات القيمة الاقتصادية الواضحة، ثم اختبارها في نطاق محدود، مع وضع مؤشرات لقياس تكلفة المعاملة وسرعة التسوية ومستوى الأمان ومدى قبول المستخدمين، قبل الانتقال إلى تطبيقات أوسع. ويتطلب ذلك تنسيقًا بين البنك المركزي والقطاع المصرفي والجهات التنظيمية ومؤسسات الدفع، إلى جانب حوار عام يوضح طبيعة العملة الرقمية وحدودها، ويمنع الخلط بينها وبين العملات المشفرة، ويعزز ثقة المواطنين في الضمانات القانونية والتقنية التي تحكم استخدامها.

إن الجنيه الرقمي، إذا انتقل من مرحلة الدراسة إلى الإصدار، لن يكون مجرد بديل إلكتروني للنقد الورقي، بل اختبارًا لقدرة الاقتصاد المصري على تحويل التقدم التكنولوجي إلى كفاءة مؤسسية وقيمة اقتصادية قابلة للقياس. فالتحدي ليس في إنتاج وحدة نقدية تظهر على شاشة الهاتف، وإنما في بناء منظومة تجعل المعاملة أقل تكلفة، والتمويل أكثر إتاحة، والتسوية أكثر كفاءة، والسياسة النقدية أكثر قدرة على قراءة التطورات، مع الحفاظ على الخصوصية والاستقرار المالي.

وفي النهاية، لن تحسم التكنولوجيا وحدها مستقبل الجنيه الرقمي، كما لن يحسمه مجرد صدور قرار بإطلاقه. الحسم سيكون في جودة التصميم، ووضوح الإطار القانوني، وكفاءة التنفيذ، ومدى ارتباط المشروع باحتياجات الاقتصاد الحقيقي. فالدولة التي تنجح في رقمنة النقود دون أن تفرط في الثقة أو الاستقرار، لا تكون قد طورت وسيلة للدفع فحسب، بل تكون قد خطت خطوة نحو إعادة هندسة البنية النقدية للاقتصاد. وهنا تحديدًا يصبح الجنيه الرقمي مشروعًا اقتصاديًا وسياديًا يستحق الدراسة، لا باعتباره وعدًا بثورة فورية، بل باعتباره فرصة لبناء نظام مالي أكثر كفاءة ومرونة واستعدادًا للمستقبل.

تم نسخ الرابط