هل يعقل أن ندعو الناس إلى دين يأمرنا بالرحمة، ثم نسيء إليهم بألسنتنا؟! وهل من الحكمة أن نُعرِّف الآخرين بالإسلام عن طريق السخرية من أديانهم ومعتقداتهم أو الاستهزاء بها أو جرح مشاعرهم فيها؟! أهذه هي أخلاق الإسلام التي نريد أن يراها العالم فينا؟!
هل هكذا كان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاشاه في دعوته لمن ٱذوه؟؟
إن من أعظم مظاهر رقي الإسلام أنه يعلم ويدرب المسلم كي لا يكون أسيرا للانفعال ولا أباح له أن يتخذ من الاختلاف في العقيدة ذريعةً للإهانة والازدراء بل علمه كيف يعتز بدينه ويعلن الحق الذي يؤمن به، ويدعو إليه، مع التزام العدل والحكمة وحسن الخطاب دون اساءه للاخرين.
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتمسك بديننا وأن ندعو إليه وأن بلغه للناس لكنه في الوقت نفسه وضع لهذه الدعوة أخلاقا وضوابط حتى لا يتحول الاختلاف إلى خصومة ولا تتحول الدعوة إلى إساءة ولا يصبح الانتصار للدين مبررا للخروج عن تعاليمه وٱدابه.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
تأملوا هذا التوجيه القرآني العظيم! لقد نهى الله المسلمين عن سبِّ ما يعبده غير المسلمين أيا كان دينهم حتي بالرغم من بطلان عبادتهم هذه من منظور الإسلام ولكن لايجوز الإساءة لهم. وذلك لأسباب عديدة منها .. حتى لا يقابلوا الإساءة هذه بإساءة أعظم فيتطاولوا على الله سبحانه وتعالى ثم يعتذر القران لهم في مشهد عظيم عدل راقي فيقول معتذرا لهم على الرغم من انهم غير مسلمين وان ردوا هذه الاساءه فيقول ..( بغير علم).
وهنا تتجلى عظمة المنهج الإسلامي الحنيف فليس كل من ليس مع معتقدك تواجهه بالسباب .. وليس كل اختلاف في العقيدة يبيح لنا أن نجرح مشاعر أصحابها أو نسخر منهم .. فالمسلم مطالب بأن يبين الحق بالحجة والبرهان لا بالشتائم والاستهزاء.
ومعلوم أن المسلم مأمور بأن يعتز بدينه، وأن يدعو إلى الله في كل مكان وأن يكون نموذجا عمليا لأخلاق الإسلام .. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
لكن الدعوة إلى الله ليست مجرد حفظ معرفة للنصوص الشرعية ولا يكفي فيها أن يمتلك الإنسان قدرا من كلمة الحفظ للنصوص العلمية بل لا بد أن يجمع الي العلم .. الحكمة .. وإلى الحجة حسن الخطاب .. وإلى صحة المعلومة سلامة الأسلوب.
يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
لذلك فببساطة يجب علينا كمسلمين عامة .. وشيوخ ودعاة خاصة أن نخاطب كل إنسان بما يناسب حاله وأن نعرض الحق بأسلوب حسن وأن نناقش المخالف مني اضررنا بالحجة الهادئة والكلمة الطيبة بعيدا عن التحقير والتجريح. فالحكمة ليست ضعفا، والرفق ليس تنازلًا عن العقيدة واحترام المخالف معك لا يعني الموافقة عل ما يعتقده.
إن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين ودينه لا يحتاج إلى صخب أو سباب حتى يظهر. ونحن جميعا مأمورون بالبلاغ والبيان وحسن الخطاب .. لا بإكراه الناس على الإيمان ولا بفرض العقائد عليهم فالهداية بيد الله والدعوة الصادقة تفتح القلوب بالحجة والرحمة لا بالإهانة والنفور.
وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة في التعامل مع الناس فقال صلي الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
فإذا كان المسلم مأمورا بضبط لسانه في حياته كلها فكيف يليق به أن يجعل السخرية من معتقدات الآخرين وسيلة للتعبير عن رقي وسماحة دينه الحنيف؟!
وفي مصرنا الغالية نرى اخواتنا من غير المسلمين جنبا إلى جنب مع اخوتهم من المسلمين في ميادين العمل دون تفريق فنجدهم في المستشفيات والجامعات والملاعب وفي مؤسسات الدولة كلها وعلى حدود الوطن وجبهاته تجمعنا المواطنة وتحفظ حقوقنا القوانين المنضبطة بأحكام الشريعة السمحة وتربطنا مواقف العمل والتضحية والمسؤولية المشتركة وسنظل بإذن الله حريصين على وحدة وطننا وعلى أن يكون اختلاف المعتقد سببًا للتعارف والتعايش لا ذريعة للكراهية والعداء كما يتوهم البعض.
إنَّ ما يصدر عن بعض المتحدثين باسم الدين من سباب أو سخرية أو إساءة لا تمثل المنهج الإسلامي الأزهري الصحيح الذي عرفناه وتعلمناه من ازهرنا واوقافنا ودار افتاءنا والتي لا تحيد عن كتاب الله وسنة رسوله.
كل ما ذكرته هنا من ادلة شرعية واضحة ليس إلا نموذجا يسيرا من الأدلة الكثيرة التي تزخر بها شريعتنا الغراء والتي تؤكد أن الاعتزاز بالإسلام لا يتعارض مع احترام الآخرين وأن الدعوة إلى الله أمانة تحتاج إلى علم وحكمة وأدب.
فلنعتز بديننا ولنحسن الدعوة إليه ولنجعل أخلاقنا شاهدا على عظمته فليس من رقي الإسلام أن نهين المخالف بل أن نملك أنفسنا عند الاختلاف ونقول الحق بأحسن قول ونحفظ للناس كرامتهم دون أن نتنازل عن ثوابت عقيدتنا الاسلامية العظيمة.