صرخة تحذير للحكومة قبل سقوط ضحايا جدد.. الرفق بالحيوان لا يعني ترك حياة البشر للخطر
من حق الحيوان أن يُعامل برحمة، ومن حق الإنسان أن يعيش آمناً. ولا يجوز أن يكون الحفاظ على أحدهما على حساب حياة الآخر.
لم تعد حوادث هجوم الكلاب الضالة على المواطنين في مصر مجرد وقائع متفرقة، بل تحولت إلى مصدر قلق حقيقي يهدد سلامة الأسر والأطفال، في ظل حوادث مؤلمة انتهت بوفاة أطفال وإصابة آخرين، كان أحدثها مأساة الطفلة الصغيرة سلسبيل، التي لم تتجاوز عامها الثاني، بعد تعرضها لهجوم من مجموعة من الكلاب الضالة بمنطقة حدائق أكتوبر. وسبقتها مأساة الطفلة مكة في بورسعيد، وغيرها من الوقائع التي تدق ناقوس الخطر وتفرض تحركاً عاجلاً.
وأنا هنا لا أتحدث من موقع العداء للحيوانات، بل على العكس تماماً؛ فأنا من عشاق الكلاب والقطط، وأربيها منذ طفولتي وحتى الآن، وأعرف جيداً معنى الارتباط بها والرحمة تجاهها. لكن محبة الحيوانات لا تعني أبداً أن نتجاهل الخطر الذي قد تتسبب فيه بعض تجمعات الكلاب الضالة، أو أن نضع حياة الإنسان في مواجهة مع حقوق الحيوان.
وللأسف، لم تكن هذه المخاوف مجرد مشاهد نتابعها عبر الأخبار؛ فقد تعرضت شخصياً أكثر من مرة لمواقف كدت أكون فيها ضحية لهجوم الكلاب، ولولا ستر ربنا لربما كانت العواقب مختلفة. وفي العقار الذي كنت أسكن فيه سابقاً بميدان لبنان، تعرض حارس العقار لهجوم عنيف من مجموعة من الكلاب، رغم أنه كان يحبها ويضع الطعام لها، وأصيب إصابات بالغة أقعدته في منزله قرابة ثلاثة أشهر. ولم تتوقف آثار الحادث عند إصابته، بل امتدت إلى الأطفال الذين شاهدوا المشهد، فأصبحوا يخشون حتى الخروج من باب العمارة من شدة الرعب.
المشكلة لم تعد مجرد وجود كلاب في الشوارع، وإنما في انتشار تجمعات قد تتحول إلى خطر حقيقي، خاصة مع التكاثر العشوائي، وتراكم القمامة ومصادر الطعام المكشوفة، وغياب المتابعة البيطرية والسلوكية الكافية. وليس معنى ذلك أن كل الكلاب شرسة، ولكن حوادث الهجوم الجماعي والإصابات والوفيات لم تعد تسمح بالتعامل مع الأمر باعتباره مشكلة هامشية.
لسنا ضد جهود الحكومة.. لكن أين النتائج؟
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الدولة لديها بالفعل خطة معلنة للتعامل مع الكلاب الضالة، تشمل التعقيم والتحصين ضد السعار والإيواء، كما أعلنت وزارة الزراعة في مارس 2026 أرقاماً بشأن تطعيم وتعقيم أعداد من الكلاب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين وصلت هذه الخطة؟ وما نتائجها الفعلية على أرض الواقع؟ وهل تتناسب معدلات التنفيذ مع حجم المشكلة وشكاوى المواطنين؟
نحن لا نطالب بوعود جديدة، وإنما بتفعيل الخطط الموجودة، والإعلان بشفافية عن أعداد الكلاب التي تم تعقيمها وتحصينها وإيواؤها، ومدى نجاح هذه الجهود في الحد من انتشارها، مع تحديد مسؤوليات الجهات المعنية ومحاسبة المقصرين.
والمطلوب تحرك عاجل يتضمن:
• حصر الكلاب الضالة وتحديد بؤر انتشارها، خاصة بالقرب من المدارس والمناطق السكنية.
• التوسع في حملات التعقيم والتطعيم ضد السعار بصورة مستمرة.
• إنشاء مراكز إيواء مجهزة، والتعامل مع الكلاب العدوانية بواسطة فرق متخصصة، وعدم إعادتها إلى الشوارع إذا ثبت أنها تمثل خطراً على المواطنين.
• السيطرة على القمامة ومصادر الطعام المكشوفة التي تجذب تجمعات الكلاب.
• تفعيل القوانين ومحاسبة من يتخلصون من كلابهم المنزلية في الشوارع، ومنع التكاثر العشوائي.
• تخصيص خط ساخن وفرق تدخل سريع لتلقي بلاغات المواطنين والتعامل مع التجمعات الخطرة وحوادث الهجوم.
وهذه مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقاً حقيقياً بين وزارات الزراعة والصحة والتنمية المحلية والجهات البيئية والأجهزة التنفيذية، بمشاركة الأطباء البيطريين وجمعيات الرفق بالحيوان.
وأؤكد أنني لا أدعو إلى تسميم الكلاب أو قتلها عشوائياً أو تعذيبها، فهذه ليست حلولاً إنسانية ولا مستدامة. المطلوب إدارة علمية وحاسمة للمشكلة، تجمع بين التعقيم والتطعيم والإيواء والتبني، والتعامل المسؤول مع الحالات التي تشكل خطراً على حياة البشر.
إن الرفق بالحيوان قيمة إنسانية لا خلاف عليها، لكن لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لتجاهل سلامة المواطنين. فمن حق الحيوان أن يعيش في بيئة آمنة، ومن حق الإنسان أن يسير في شارعه دون خوف، ومن حق كل أم أن تطمئن على طفلها وهو يلعب أمام منزله.
رسالتي للحكومة: لا تنتظروا ضحية جديدة حتى تتحركوا، ولا تجعلوا كل حادثة مأساوية مجرد خبر يتصدر المواقع لساعات ثم يُنسى. المطلوب نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، قبل أن نفقد طفلاً آخر.
أنا أحب الكلاب وسأظل أحبها، لكنني أؤمن أيضاً أن حياة الإنسان وأمان الأطفال خط أحمر.
ارحموا الحيوانات.. واحموا البشر.. فأطفالنا ليسوا فرائس!