الطاعون يعود للواجهة.. قصة المرض الذي حصد ملايين الأرواح عبر التاريخ
أعادت تقارير متضاربة حول وفاة باحثة في معهد «إيركوتسك» للأبحاث لمكافحة الطاعون في روسيا، والحديث عن احتمال إصابتها بـ«الطاعون الرئوي»، تسليط الضوء على أحد أكثر الأمراض فتكًا في تاريخ البشرية.
ويرتبط اسم المرض بالكلمة اللاتينية «plangō» التي تعني «يضرب»، فيما ارتبط الطاعون تاريخيًا بواحدة من أكبر الكوارث الصحية التي عرفها العالم، إذ تسبب «الموت الأسود» في القرن الرابع عشر في وفاة ما بين 40% و60% من سكان المناطق التي اجتاحها.
وينتج الطاعون عن بكتيريا «يرسينيا بيستيس»، وهي عدوى تصيب القوارض بشكل أساسي، ويمكن أن تنتقل إلى البشر، تاريخيًا، عبر البراغيث، وعلى رأسها برغوث الجرذ الأسود.

أنواع الطاعون
ويختلف شكل المرض وأعراضه وخطورته بحسب موقع العدوى داخل الجسم، إذ يصيب «الطاعون الدبلي» الغدد الليمفاوية، مما يؤدي إلى ظهور تورمات مؤلمة تعرف باسم «الدبلات».
أما «الطاعون الإنتاني» فيحدث عندما تصل البكتيريا إلى مجرى الدم وتتكاثر فيه، وقد يظهر باعتباره مرحلة متقدمة من الطاعون الدبلي.
ويعد «الطاعون الرئوي» الشكل الأقل شيوعًا والأشد فتكًا، إذ تصيب العدوى الرئتين، ويتميز بسرعة تطور المرض وارتفاع معدل الوفاة بين الحالات غير المعالجة، فضلًا عن إمكانية انتقاله مباشرة من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي.
3 جائحات كبرى للطاعون
شهد التاريخ البشري 3 جائحات كبرى للطاعون، بدأت أولها عام 541 ميلاديًا واستمرت حتى نحو عام 750، بينما امتدت الجائحة الثانية من القرن الرابع عشر وحتى القرن الثامن عشر.
وكان «الموت الأسود» الذي اجتاح العالم بين عامي 1346 و1358 أبرز محطات الجائحة الثانية، بعدما ضرب مناطق واسعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، متسببًا في خسائر بشرية هائلة.
أما الجائحة الثالثة، فبدأت عام 1855 واستمرت حتى عام 1960، قبل أن يتراجع انتشارها مع اعتماد إجراءات النظافة الطبية والحجر الصحي والتطعيم والمضادات الحيوية، رغم استمرار ظهور الطاعون باعتباره مرضًا متوطنًا في بعض مناطق العالم حتى الوقت الراهن.
وفي عام 2011، كشفت أبحاث جينية أجريت على الحمض النووي القديم المستخرج من أسنان جثث دفنت في لندن بين عامي 1348 و1350، أن سلالات الطاعون التي تسببت في الأوبئة التاريخية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالسلالات التي تنحدر منها البكتيريا المتداولة في العصر الحديث.
كيف تعامل أطباء العصور الوسطى مع الطاعون؟
وخلال القرن الرابع عشر، كان أطباء ومراقبو العصور الوسطى قد أدركوا وجود الأشكال الرئيسية الثلاثة للمرض.

وكتب الراهب لويس هيليغن عام 1348 وصفًا للطاعون الرئوي، مشيرًا إلى إصابة الرئتين وصعوبة التنفس، وسرعة وفاة المصابين، واصفًا هذا الشكل بأنه الأخطر والأكثر قدرة على الانتقال.
واعتمد الطب في ذلك الوقت على «نظرية الأخلاط الأربعة» في تفسير المرض وعلاجه، وشملت محاولات العلاج الفصد واستخدام الملينات والمقيئات، إلى جانب فرض العزل والحجر الصحي في بعض المناطق.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قرية «إيام» الإنجليزية، التي فرض سكانها الحجر الصحي على أنفسهم خلال تفشي الطاعون عام 1665، مع توفير الرعاية الطبية للمصابين، في إطار إجراءات احتواء العدوى.
حقيقة أقنعة الطاعون الشهيرة
وعلى عكس الصورة الشائعة عن أطباء العصور الوسطى، تؤكد الباحثة بيث سبيسي، المحاضرة في تاريخ العصور الوسطى بجامعة كوينزلاند، أن الأطباء في ذلك العصر لم يكونوا يرتدون أقنعة الطاعون الشهيرة ذات «المنقار» الطويل.
وظهرت تلك الأقنعة في فترة لاحقة، خلال القرن السابع عشر، وكانت تحشى بالأعشاب والمواد العطرية اعتقادًا بأنها تحمي من «الأبخرة الفاسدة» التي كان يُعتقد حينها أنها سبب انتقال المرض.



