في الوقت الذي تستعد فيه الأقصر وأسوان لاستقبال واحد من أهم مواسم السياحة النيلية، ومع عودة الفنادق العائمة إلى العمل بكامل طاقتها، تأتي أعمال صيانة هاويس إسنا لتضع حركة السياحة النيلية أمام اختبار صعب، بعدما بدأت التأخيرات تنعكس بصورة مباشرة على البرامج الزمنية للرحلات، وعلى شركات السياحة التي بنت برامجها وحجوزاتها على مواعيد دقيقة لا تحتمل الارتباك أو التأجيل.
وهاويس إسنا ليس مجرد منشأة هندسية على مجرى نهر النيل، وإنما يمثل حلقة أساسية في منظومة الملاحة النهرية بين الأقصر وأسوان. فالهاويس يسمح للسفن والفنادق العائمة بتجاوز فرق مناسيب المياه بين قطاعي النيل، من خلال إدخال السفينة إلى حوض الهاويس ثم التحكم في مستوى المياه حتى يصبح متساويًا مع المستوى المائي في الجهة الأخرى، وبعدها تواصل السفينة رحلتها. وبمعنى آخر، فإن انتظام تشغيل الهاويس يعني انتظام حركة مئات الرحلات السياحية النيلية التي تعتمد على المرور بين الأقصر وأسوان وفق جداول زمنية دقيقة.
وتكمن خطورة أي تباطؤ في تشغيل الهاويس في أن الرحلة النيلية ليست رحلة عادية يمكن تعويض وقتها بسهولة. الفندق العائم يتحرك وفق برنامج محدد، والسائح لديه زيارات ومواعيد في المعابد والمواقع الأثرية، وشركة السياحة لديها حجوزات مرتبطة بوسائل انتقال وطيران وفنادق وبرامج أخرى. ولذلك فإن تأخيرًا في نقطة واحدة يمكن أن يتحول إلى سلسلة من التأخيرات تمتد إلى كامل البرنامج السياحي.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية في توقيت الصيانة الحالية. لا أحد يمكنه أن يعترض على صيانة منشأة حيوية مثل هاويس إسنا، بل إن الصيانة الدورية ضرورة للحفاظ على سلامة الملاحة واستدامة التشغيل. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بكل وضوح هو: لماذا لم يتم التخطيط لهذه الأعمال وتنفيذها خلال أشهر الصيف، عندما تكون حركة السياحة النيلية في أدنى مستوياتها، أو خلال فترة التوقف السنوية التي تكون فيها الفنادق العائمة خارج التشغيل السياحي المكثف؟
هذه ليست ملاحظة عابرة، وإنما قضية تتعلق بإدارة المرافق الحيوية في قطاع السياحة. فالتخطيط للصيانة لا ينبغي أن يعتمد فقط على جاهزية المعدات والجهات المنفذة، وإنما يجب أن يضع في الاعتبار طبيعة النشاط الاقتصادي الذي تعتمد عليه المنشأة. وإذا كان هاويس إسنا يخدم واحدة من أهم خطوط السياحة النيلية في العالم، فإن أي أعمال صيانة كبيرة يجب أن تتم بالتنسيق المسبق مع وزارة السياحة والآثار، ووزارة النقل، والجهات المسؤولة عن الملاحة النهرية، وغرفة شركات السياحة، وأصحاب الفنادق العائمة، بحيث يتم اختيار التوقيت الأقل تأثيرًا على الحركة السياحية.
المشكلة أن السائح الذي يأتي إلى مصر لقضاء عدة أيام بين الأقصر وأسوان لا ينظر إلى سبب التأخير؛ هو ينظر إلى النتيجة. فإذا تأخر الفندق العائم، تغير موعد الزيارة، أو اختصر برنامج أحد المواقع الأثرية، أو تأخر الوصول إلى مدينة أخرى، فإن الانطباع النهائي لدى السائح يكون أن البرنامج لم يكن منظمًا بالشكل الكافي.
والأخطر من ذلك أن شركات السياحة تتحمل تكلفة هذا الارتباك. فكل ساعة تأخير قد تعني إعادة ترتيب وسائل النقل، وتعديل حجوزات، وإعادة تنظيم زيارات، وربما تحمل نفقات إضافية، فضلًا عن احتمالات التعويض أو تحمل شكاوى العملاء. ومع تكرار التأخير، تتحول المسألة من مشكلة تشغيلية مؤقتة إلى خسائر مالية مباشرة وضغوط على الشركات التي تعمل أصلًا في سوق شديدة المنافسة.
ولا ينبغي أن نغفل أن السياحة النيلية ليست مجرد وسيلة للانتقال بين الأقصر وأسوان، وإنما واحدة من أهم المنتجات السياحية المصرية وأكثرها ارتباطًا بصورة مصر في الأسواق العالمية. فالسائح الذي يختار رحلة نيلية يفعل ذلك لأنه يريد تجربة متكاملة تجمع بين النيل والآثار والضيافة المصرية في برنامج زمني محدد. وبالتالي فإن الحفاظ على انسيابية هذه الرحلات هو جزء من الحفاظ على جودة المنتج السياحي المصري نفسه.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط الإسراع في الانتهاء من أعمال الصيانة الحالية، ولكن وضع منظومة جديدة للتخطيط المسبق لصيانة الهاويس والمنشآت الملاحية المرتبطة بالسياحة النيلية. يجب أن تكون هناك روزنامة سنوية معلنة للصيانة، وأن يتم تنفيذ الأعمال الثقيلة في الفترات التي تشهد أقل حركة ممكنة، وعلى رأسها أشهر الصيف، مع وضع خطط طوارئ واضحة في حالة حدوث أي عطل أو تأخير.
كما أن التواصل مع شركات السياحة والفنادق العائمة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من إدارة الأزمة، لأن هذه الشركات هي التي تواجه السائح مباشرة وتتحمل نتائج أي خلل في البرنامج. وكلما كان هناك إخطار مبكر ومعلومات دقيقة عن مواعيد التشغيل، أمكن للشركات إعادة ترتيب برامجها وتقليل حجم الخسائر.
مصر اليوم تخوض معركة كبرى لاستعادة معدلات السياحة وزيادة أعداد الزائرين وتعظيم عوائد القطاع، ولذلك فإن المعركة لا تتعلق فقط بجذب السائح إلى مصر، وإنما تبدأ من لحظة وصوله وحتى مغادرته. جودة التجربة السياحية لا تصنعها الآثار وحدها، وإنما تصنعها أيضًا دقة المواعيد، وسهولة الانتقال، وكفاءة التشغيل، وسرعة التعامل مع الأزمات.
هاويس إسنا منشأة ضرورية، وصيانته أمر لا خلاف عليه، لكن الضروري أيضًا أن نتعلم من الأزمة. فالمرفق الحيوي يجب أن تتم صيانته، ولكن في التوقيت الذي يحمي النشاط الاقتصادي الذي يعتمد عليه. وكان من الأفضل أن تتم الأعمال الرئيسية خلال الموسم الصيفي، عندما تنخفض حركة الفنادق العائمة، حتى لا تتقاطع الصيانة مع بداية الموسم السياحي وتضع السائح وشركات السياحة أمام فاتورة لم يكن من المفترض أن يدفعها أحد.
المطلوب الآن هو إنهاء الأعمال بأسرع وأعلى كفاءة ممكنة، وتقليل زمن الانتظار إلى أدنى حد، وتعويض ما يمكن تعويضه من التأخير بالتنسيق الكامل مع القطاع السياحي. والأهم أن يتحول ما يحدث في إسنا إلى درس إداري: السياحة صناعة مواعيد، وأي خلل في المواعيد قد يتحول إلى خسارة في المال والثقة معًا.