في الجغرافيا السياسية، لا يكفي أن نعرف أين بدأت الأزمة؛ الأهم أن نعرف إلى أين يمكن أن تصل تداعياتها. فالموقع قد يحول صراعًا داخليًا إلى عامل مؤثر في محيط كامل، وقد يجعل تغير موازين القوى داخل دولة واحدة بداية لتحولات تتجاوز حدودها.
فالتصعيد الذي عاد إلى إقليم تيجراي لم يبقَ محصورًا داخله، بالتزامن مع توترات ومواجهات في مناطق أخرى، وإعلان سبع جماعات مسلحة تشكيل تحالف جديد يضم أطرافًا كانت قد قاتلت على جبهات متقابلة خلال الحرب الإثيوبية بين عامي 2020 و2022. ويضم التحالف، من بين أطراف أخرى، جبهة تحرير شعب تيجراي وحركة فانو في أمهرة وجماعات من أوروميا وعفر وبني شنقول-قمز.
وهنا لا تبدو أهمية المشهد في تفاصيل كل مواجهة بقدر ما تكمن في اتساع خريطة الصراع وتغير خريطة التحالفات في الوقت نفسه.
فاتفاق بريتوريا، الذي وُقّع في نوفمبر 2022، أنهى الحرب واسعة النطاق في تيجراي ووضع إطارًا لوقف الأعمال العدائية، لكنه لم يُنهِ جميع الملفات السياسية والأمنية والإقليمية التي ارتبطت بالصراع.
وظلت قضايا الأراضي والحدود، وعودة النازحين، وترتيبات السلطة، ووضع القوات المحلية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ملفات قابلة لإعادة إنتاج التوتر.
ومع التصعيد الأخير، ظهرت مفارقة لافتة: جماعات كانت قد خاضت الحرب السابقة في مواقع متعارضة أصبحت اليوم جزءًا من تحالف واحد في مواجهة الحكومة الفيدرالية.
ولا يعني ذلك أن خلافاتها القديمة قد انتهت؛ فلكل طرف حساباته ومطالبه وتاريخه. لكن مجرد انتقال هذه القوى من حالة الصدام فيما بينها إلى مساحة من التنسيق يمثل تحولًا مهمًا في طبيعة المشهد.
وهكذا لم يعد من السهل اختزال الأزمة في مواجهة واحدة بين الحكومة وتيجراي، وإنما أصبحنا أمام مشهد متعدد الأطراف والجبهات، أكثر تعقيدًا من خريطة الحرب السابقة.
وهنا تفرض الجغرافيا السياسية نفسها من جديد.
إثيوبيا تقع في قلب القرن الأفريقي، وتتجاور مع السودان وجنوب السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا، وهي دولة حبيسة تعتمد بدرجة كبيرة على الممر التجاري عبر جيبوتي للوصول إلى البحر. وفي هذه الجغرافيا المتشابكة، لا تنفصل ملفات الأمن عن التجارة، ولا الحدود عن السياسة، ولا الاستقرار الداخلي عن حسابات المحيط الإقليمي.
وفي الخلفية، يبقى النيل حاضرًا في حسابات المنطقة.
لذلك، فإن أي تغير جوهري في موازين القوى داخل إثيوبيا لا يُقرأ باعتباره شأنًا داخليًا خالصًا؛ فالدول تتحرك داخل بيئات جغرافية وسياسية مترابطة، وما يتغير داخل دولة محورية في القرن الأفريقي يمكن أن ينعكس على حسابات محيطها.
في قلب القرار
من المبكر الجزم بأن إثيوبيا عادت إلى حرب أهلية شاملة على غرار حرب 2020–2022، لكن عودة القتال في تيجراي، واتساع نطاق التوتر، وظهور تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة، كلها تطورات تجعل المشهد بحاجة إلى متابعة تتجاوز أخبار الجبهات اليومية.
فالمسألة لم تعد فقط: من يسيطر على هذه المنطقة أو تلك؟
بل أصبحت أيضًا: كيف تتغير خريطة القوة داخل إثيوبيا، وإلى أي مدى يمكن أن تعيد هذه التحولات تشكيل علاقاتها وموقعها في محيطها؟
ففي السياسة، لا تبقى تداعيات الأزمات دائمًا داخل حدودها، فبعضها يعيد ترتيب المشهد من حولها.