أعاد مسلسل «لعبة جهنم» تسليط الضوء على الجانب المظلم للتقنية الرقمية.. العمل المستوحى من جريمة قتل طفل شبرا الخيمة البشعة الداعية لإعادة قراءة ملف "الدارك ويب" (الإنترنت المظلم) لنكشف كواليس التدرج بالشباب والأطفال من ممارسات رقمية وتحديات خفية إلى ارتكاب أفظع الجرائم الجنائية... ورغم اعتراضنا على الطريقة التي تم عرض المسلسل بها وتشويه كل العناصر المتدينة إلا أن المسلسل يكشف خطورة ما وصلنا إليه وما يمكن أن نصل إليه مستقبلا لو استمر الوضع على ما هو عليه سواء من ناحية الدراما أو من ناحية الدارك ويب وما يفعله بأبنائنا من تدمير مباشر.
تطرح هذه الظاهرة سؤالاً خطيراً: كيف تتحول الشاشات الصغيرة والتطبيقات المجهولة إلى مصنع لتخريج القتلة.. وكيف نحمي المجتمع والشارع المصري من هذا الخطر الممتد؟
الحقيقة أنه لا يمكن قراءة ظاهرة تفشي العنف والجرائم الغريبة في الشارع المصري بمعزل عن الشريط السينمائي والدرامي الذي يعرض على الشاشات منذ سنوات طوال .. فإذا كان "الدارك ويب" يمثل الأدوات والتقنيات الحديثة للاستدراج فإن الدراما والسينما الشائعة في السنوات الأخيرة هي التي هيأت البيئة النفسية والوجدانية وشكلت وعي أجيال باتت تتقبل العنف والمخدرات وتعتبر السلاح الأبيض والأسود رمزاً لـ "الرجولة والفتونة" .
إن تتبع خط السير الدرامي على مدار سنوات مضت يضعنا أمام إشكالية كبرى وهي كيف تحول المجرم إلى "قدوة"؟؟ وكيف تحول البلطجي وتاجر المخرات ومتعاطيها إلى نموذج يسعى الشباب لتقليده والاقتداء به لتحقيق المال والشهرة كما يحققها البطل في الدراما ..
لقد شهدت الدراما والسينما تحولاً خطيراً في طريقة معالجة القضايا الاجتماعية والجنائية فأصبح لدينا ما يمكن أن نسميه صناعة البطل المضاد .. بمعنى تحول "البلطجي" وتاجر المخدرات والخارجون على القانون من نموذج سلبي يحذر منه العمل الفني إلى بطل الدراما الرئيسي الذي تُبرر أفعاله وتُقدم للمشاهد بوصفها دفاعاً عن الحق أو أخذ حق بـ "اليد".
لدينا أيضا ما يمكن أن نطلق عليه جماليات السلاح والدماء فقد تحولت مشاهد المشاجرات واستخدام الأسلحة البيضاء والمقنعين وتقطيع الجثث أو تعذيب الآخرين من مشاهد استثنائية مرفوضة تُعرض بحذر إلى "مشاهد رئيسية" تُوظف للتشويق والجذب والبحث عن (التريند) بعد أن كانت الرقابة تقوم بحذفها في أيام مضت !!
ويظهر يوضوح شديد أيضا ما يمكن أن نطلق عليه تطبيع ثقافة المخدرات والبلطجة.. فقد رسخت معظم الأعمال الفنية التي تدخل البيوت من شاشاتها بكل سهولة .. أسلوب حياة قائماً على تعاطي المواد المخدرة والتلفظ بألفاظ تحض على المهانة والعنف مما أوجد لدى الأطفال والمراهقين انطباعاً بأن هذه المظاهر هي المفتاح الحقيقي للهيبة والمكانة الاجتماعية.
والآن نتساءل ما هو التأثير المباشر على الأجيال الجديدة وواقع الشارع من تلك الأعمال؟؟ الإجابة لاتحتاج إلى مجهود كبير للوصول إليها فالوضع الأخلاقي في الشارع الآن يتحدث بلا مواربة ولا خجل ليعلن أن الانهيار الأخلاقي أصبح سيد الموقف .. فالاستهلاك المتكرر لمحتوى يتضمن مشاعر الانتقام الفردي والأسلحة يخلق ما يُعرف في علم النفس بـ "التطبيع السلوكي" وهو ما يتمثل بكل وضوح في غياب المرجعية الأخلاقية فحين يرى الطفل أو الشاب أن "البطل" يسترد حقه بالسيف أو المسدس دون انتظار للعدالة والقانون فهنا تتراجع لديه قيمة دولة المؤسسات وسيادة القانون.
والأخطر هنا هو محاكاة التفاصيل الجنائية بشكل مباشر فأصبحت تفاصيل المشاجرات والمعارك والتلويح بالسلاح الأبيض على اختلاف أنواعه وطرق إخفاء معالم الجريمة واستخدام المواد المخدرة واستعراض القوة تقلد حرفياً في المدارس والجامعات و في الشوارع.. هذا بالطبع إلى جانب تدمير القدوة والرموز العلمية والثقافية والرياضية التي اختفت و حلت محلها "شخصيات العنف" فأصبح الرمز هو الأكثر قدرة على العنف والأكثر امتلاكاً للسلاح.
إن إصلاح هذه المنظومة لا يعني فرض مصادرة الحرية الإبداعية بل يفرض التزاماً أخلاقياً ووطنياً تجاه حماية المجتمع ..فالتفعيل الصارم والتطبيق الميداني للرقابة والتصنيف العمري على المنصات والقنوات الفضائية لمنع وصول الأعمال التي تتضمن مشاهد عنف مفرط أو مخدرات للنشء.
وإلى جانب ذلك يجب إبراز النموذج الإيجابي واستعادة التوازن..فاستعادة الدراما المصرية لدورها التنويري والتربوي عبر تقديم بطولات واقعية لنماذج إيجابية من العلماء والمفكرين والأبطال الحقيقيين من أبناء الوطن لإعادة بناء وجدان الشباب هي من أهم الأولويات التي يدب تفعيلها لمواجهة الخطر الأكبر الذي نواجهه.
وبالطبع هناك المسؤولية الاجتماعية للشركات المنتجة فيجب إلزام صناع الفن والمؤسسات الإنتاجية بميثاق شرف أخلاقي يراعي أثر المشاهد المعروضة على السلم المجتمعي ومستقبل الأجيال.
إن الدراما ليست مجرد أداة للتسلية والترفيه، بل هي القوة الناعمة الأكثر تأثيراً في تشكيل السلوك العام وعقلية الأمة.. وتصحيح مسار الإبداع هو الركيزة الأساسية لوقف نزيف العنف واستعادة قيم الشارع المصري أصالته ورقيه.. وإن لم يحدث التحرك المطلوب الآن فلا نلومن إلا أنفسنا ..!!