هناك فصول تظلمها السمعة، أكثر مما يظلمها الطقس.. والخريف واحد من هؤلاء الذين دفعوا ثمن صورة لم يصنعوها.
ظلمناه فلكياً حين وضعناه في خانة الانتقال بين صخب الصيف وبرودة الشتاء، وظلمناه جغرافياً حين اختصرناه في أوراق تتساقط وأشجار تتعرى، وظلمناه طبيا حين ارتبط في أذهاننا بموسم الاكتئاب وتقلبات المزاج، ثم جاءت الأدبيات القديمة فأكملت المؤامرة.. وجعلت منه فصل الذبول والانطفاء، وكأن سقوط ورقة من شجرة إعلان مبكر عن نهاية الحياة!
وظللنا نغني للربيع.. كذبًا، ونتغزل فيه.. بهتانًا، ونمنحه كل قصائد الحب والجمال، بينما الخريف يقف على مقربة منا، أكثر نضجًا وهدوءًا وأناقة، ولا يطالب بأكثر من أن نراه كما هو.
فالربيع صاخب في جماله، أما الخريف فجماله يعرف كيف يخفض صوته.
في بلادنا، للخريف حكاية أخرى.
هنا تبدأ السماء في استرداد شيء من اتزانها، وتكسر الغيمة هيبة الشمس.. فلا تعود تطل علينا بكامل جبروتها وحرارتها، ولا يصبح الخروج إلى الشارع مغامرة مع اللهيب. يتقدم النسيم خطوة إلى الأمام، ويتراجع الحر خطوة إلى الخلف، وينجح الهواء العليل أخيرًا في هزيمة الرطوبة.
إنه فصل «بين بين».. لا حر نلهث منه، ولا برد نختبئ عنه.
وهذه، في رأيي، ليست مجرد حالة مناخية.. إنها فلسفة كاملة في الحياة.
فالاعتدال ليس أنصاف الأشياء، كما يتصور البعض، وإنما هو اكتمال الأشياء دون إفراط. أن يكون للنهار ضوءه دون أن يحرق، وللهواء حضوره دون أن يعصف، وللشمس هيبتها دون أن تستبد، وللمساء برودته دون أن يتحول إلى قرصة.
لذلك ربما كان الخريف أقرب الفصول إلى الإنسان حين ينضج.
لا يملك اندفاع الربيع، ولا عنفوان الصيف، ولا قسوة الشتاء.. لكنه يملك شيئًا أكثر أهمية: الحكمة.
حتى الأشجار التي نتهمها بالذبول لا تكون في الحقيقة إلا أكثر صدقًا مع دورة الحياة. الورقة التي تسقط لا تعلن موت الشجرة، وإنما تفسح مكانًا لموسم جديد. وكأن الطبيعة نفسها تقول لنا إن بعض الأشياء لا تسقط لأنها ضعيفة، وإنما لأنها أدت دورها وانتهى وقتها.
ولعل هذا هو سر الشاعرية التي يسكنها الخريف.
إنه فصل التفاصيل الصغيرة: فنجان قهوة في شرفة، نافذة نصف مفتوحة، سماء تتكئ على غيمة، شارع أقل ازدحامًا بالضوء، ومساء طويل يستطيع الإنسان أن يسمع فيه نفسه.
نحن مواليد الخريف.. أبناء الاعتدال والجمال.
لم نتعلم أن نحب الحياة في أقصى درجاتها، وإنما أحببناها في تلك المنطقة الساحرة التي لا يطغى فيها شيء على شيء. نتلمس الفن، ونتنفس المتعة، ونصغي إلى الموسيقى الخفية للأشياء، ونعرف أن للمزاج الجميل طقسًا خاصًا، وأن الهواء العليل قد يكون أحيانًا أكثر تأثيرًا في الروح من ألف قصيدة.
نحن أبناء موسم لا يصرخ بجماله.. وإنما يتركك تكتشفه.
ولهذا أحب الخريف.
أحبه لأنه لا يستعرض نفسه، ولا يطلب تصفيقًا، ولا يزاحم الفصول على المسرح.. يكفيه أن يأتي، فتتغير نبرة السماء، ويهدأ الضوء، ويصبح الهواء أكثر لطفًا، ويشعر الإنسان فجأة أن العالم صار مكانًا صالحًا للجلوس والتأمل والحب.
الخريف ليس فصل الذبول كما ظلمناه طويلًا.. بل فصل النضج.
ومن لم يعرف جمال الخريف، ربما لم يتعلم بعد أن أجمل الأشياء ليست بالضرورة أكثرها صخبًا.
أما نحن.. مواليد الخريف، فأعرف أننا لم نأتِ صدفة في هذا الفصل.
لقد اختارتنا الطبيعة في أكثر لحظاتها اتزانًا، ومنحتنا شيئًا من طباعها:
قليل من الشمس.. قليل من الغيم.. كثير من النسيم.. ومساحة واسعة للجمال.