في تاريخ العمل الوطني والسياسي، كانت الحزبية دائماً تعني "التكليف" لا "التشريف"، والتزاماً أخلاقياً وميدانياً تجاه الشارع والمواطن قبل أن تكون موقعاً صدارياً. إلا أن المتأمل للمشهد السياسي المعاصر، يلاحظ بوضوح طفو ظاهرة سلبية تحتاج إلى مكاشفة صريحة؛ ظاهرة اتخاذ العمل الحزبي والسياسي كـ "واجهة اجتماعية" (Prestige) ومجرد أداة لاستكمال الوجاهة الشخصية.
أقنعة "الوجاهة" وعجز الأثر
لقد تحول مفهوم "الموقع القيادي" عند البعض من المساهمة في صنع القرار وبناء الكوادر وخدمة المجتمع، إلى مجرد حصد للألقاب، والتقاط الصور في الفعاليات الرسمية، وطباعة كروت التعريف المذهبة. هؤلاء يمارسون السياسة بأسلوب "الاستهلاك الإعلامي"؛ يتواجدون أمام العدسات، ويغيبون تماماً عند وضع الخطط، وتغيب عنهم الروح الحقيقية للعمل التنظيمي الذي يتطلب جهداً، وفكراً، وتضحية بالوقت.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الضرر الفردي، بل تمتد لتصيب الكيانات السياسية بـ "الفقر الفكري والعملي". فالاعتماد على أصحاب "البرستيج" يفرغ العمل الحزبي من مضمونه، ويخلق حالة من الفجوة بين الشارع والمؤسسات، حين يرى المواطن أن السياسي لا يحمل همومه، بل يحمل فقط بريق منصبه.
الاعتماد على أصحاب "البرستيج" يفرغ العمل الحزبي من مضمونه، ويخلق حالة من الفجوة بين الشارع والمؤسسات، حين يرى المواطن أن السياسي لا يحمل همومه، بل يحمل فقط بريق منصبه.
بين النفوذ الزائف والكفاءة الحقيقية
بصفتنا صناع رأي ومسؤولين ندرك أن القيمة الحقيقية لأي سياسي لا تُقاس ببريق المسمى التنظيمي، بل بـ "حجم الأثر وبصمة الإنجاز". العمل السياسي الحقيقي يقتضي الاندماج مع قضايا المجتمع، امتلاك رؤية تشريعية ناضجة، والقدرة على صياغة حلول عملية للأزمات.
إن التفريق بين "السياسي الأصيل" الذي يبني ويكافح، وبين "السياسي الاستعراضي" الذي يستغل المسمى، هو المعيار الأساسي لنجاح أي كيان سياسي يرغب في صناعة فارق حقيقي في المستقبل. فالمناصب تزول، والشعارات البراقة تتلاشى، ولا يبقى في أذهان الناس وفي سجل التاريخ إلا صاحب الموقف والعمل الصادق.
لقد آن الأوان لترميم مفهوم العمل الحزبي، وأن تُفتح الأبواب للكفاءات والعقول القادرة على العطاء، بدلاً من إهدار الطاقات مع من يرون في الأحزاب مجرد "نادي اجتماعي" أو "واجهة براقة". السياسة نبل، ومسؤولية، وأمانة وطنية... ومن لا يدرك حجم هذه الأمانة، فليفسح الطريق…