حين نتحدث عن مصر، فإننا نتحدث عن دولة تمتلك واحدًا من أغنى وأقدم أرصدة التراث الثقافي والطبيعي في العالم؛ حضارات متعاقبة، ومدن تاريخية، ومواقع أثرية، وأديرة، ومساجد وكنائس، وواحات وصحارى، وبحيرات وسواحل ممتدة على البحرين المتوسط والأحمر، فضلًا عن نهر النيل ودلتاه وما يرتبط بهما من نظم بيئية فريدة. ومع ذلك، فإن حضور مصر على قائمة اليونسكو للتراث العالمي لا يعكس، بأي حال، هذا الثراء الاستثنائي.
وفقًا لبيانات مركز التراث العالمي، لا تضم مصر سوى سبعة مواقع مسجلة على القائمة: ستة مواقع ثقافية وموقع طبيعي واحد. والمواقع الثقافية هي: أبو مينا، وطيبة القديمة ومقابرها، والقاهرة التاريخية، ومنف وجبانتها من الجيزة إلى دهشور، ومعالم النوبة من أبو سمبل إلى فيلة، ومنطقة سانت كاترين. أما الموقع الطبيعي الوحيد فهو وادي الحيتان، الذي سُجل عام 2005. والأكثر إثارة للدهشة أن خمسة من المواقع الثقافية الستة سُجلت دفعة واحدة عام 1979، بينما سُجلت منطقة سانت كاترين عام 2002؛ أي إن مصر لم تضف موقعًا ثقافيًا جديدًا إلى القائمة منذ أكثر من عشرين عامًا، ولم تضف أي موقع، ثقافي أو طبيعي، منذ تسجيل وادي الحيتان.
لا تكمن المشكلة في أن مصر تفتقر إلى المواقع الجديرة بالتسجيل؛ بل ربما تكون المشكلة عكس ذلك تمامًا. فالقائمة التمهيدية المصرية لدى اليونسكو تضم 34 موقعًا، من بينها سيوة، ورأس محمد، وبحيرة قارون، والصحراء الغربية، ومسارات هجرة الطيور، وأديرة وادي النطرون، ورشيد، وأبيدوس، ومواقع الإسكندرية القديمة، ومرصد حلوان، وواحة الخارجة ، وغيرها. غير أن عددًا كبيرًا من هذه المواقع أُدرج على القائمة التمهيدية منذ عامي 1994 و2003، وظل لعقود في غرفة الانتظار، من دون أن يتحول إلى ملف ترشيح مكتمل يصل إلى مرحلة التقييم والتسجيل.
وتبدو الفجوة أوضح عند مقارنة مصر بدول أخرى. فإيطاليا لديها 62 موقعًا مسجلًا، منها 56 موقعًا ثقافيًا وستة مواقع طبيعية. ولدى إسبانيا 50 موقعًا: 44 ثقافيًا، وأربعة طبيعية، وموقعان مختلطان يجمعان بين القيمتين الثقافية والطبيعية. أما اليونان فلديها 21 موقعًا: 18 ثقافيًا وثلاثة مواقع مختلطة. وعلى مستوى الدول العربية، تأتي مصر في الترتيب الخامس من حيث عدد المواقع المسجلة بعد كل من تونس، والمغرب، والسعودية، والأردن.
ولا تعني هذه المقارنة أن قيمة التراث تُقاس بعدد المواقع وحده، ولا أن الدول ذات الأعداد الأكبر تمتلك بالضرورة تراثًا أهم. لكنها تكشف مدى نجاح بعض الدول في تحويل مواردها الثقافية والطبيعية إلى ملفات دولية متكاملة، ومدى تواضع الحضور المصري على قائمة التراث العالمي، مقارنة بما تزخر به البلاد من ثراء ثقافي وطبيعي.
وقد يرى البعض أن السبب هو تعقيد إجراءات التسجيل، وهذا صحيح جزئيًا.
فإعداد ملف الترشيح ليس مجرد كتابة وصف جميل للموقع أو إثبات قدمه وأهميته. تبدأ العملية بإدراج الموقع على القائمة التمهيدية، ثم إجراء تقييم أولي للقيمة الاستثنائية للموقع، وبعد ذلك إعداد ملف ترشيح شامل. ويجب أن يتضمن الملف تحديدًا دقيقًا للحدود والمنطقة المحيطة، وخرائط وإحداثيات، وتحليلًا مقارنًا مع مواقع مشابهة عالميًا، وإثبات الأصالة أو السلامة، والحماية القانونية، وخطة الإدارة، والتمويل، والكوادر، وإدارة الزوار والمخاطر، ونظام المتابعة والرصد. ثم يخضع الملف لتقييم مستقل يستمر نحو عام، يتضمن بعثة ميدانية ومراجعات فنية، قبل عرضه على لجنة التراث العالمي. ولكن صعوبة الإجراءات لا تكفي وحدها لتفسير الوضع المصري؛ فالشروط نفسها تنطبق على إيطاليا، وإسبانيا، واليونان وغيرها.
القضية الحقيقية هي قدرة الدولة على التعامل مع هذه الشروط من خلال عمل مؤسسي متكامل ومستمر، لا عبر جهود موسمية أو فردية تنتهي بتغير المسؤولين أو الأولويات.
فملف التراث العالمي يحتاج إلى فريق متعدد التخصصات يعمل لسنوات، ويضم خبراء في الآثار، والبيئة، والإدارة، والتخطيط العمراني، ونظم المعلومات الجغرافية، والقانون، والسياحة، والمجتمعات المحلية. كما يحتاج إلى تعاون فعلي بين الوزارات والمحافظات والجامعات والمجتمع المدني. والأهم من ذلك أنه يحتاج إلى وجود خطة حقيقية لإدارة المواقع وحمايتها بعد التسجيل؛ فاليونسكو لا تمنح لقبًا شرفيًا لموقع جميل، وإنما تتأكد من وجود قدرة مستدامة على الحفاظ على قيمته العالمية.
هنا تظهر بوضوح مشكلة تجزؤ مسؤولية التراث المصري بين جهات متعددة. فالمواقع الثقافية والأثرية تدخل أساسًا ضمن اختصاص وزارة السياحة والآثار، بينما تقع المواقع الطبيعية ضمن مسؤولية وزارة البيئة، وتولى وزارة الثقافة ملف التراث الثقافي غير المادي. ولا توجد، في المقابل، آلية وطنية دائمة وفعالة تجمع هذه المسارات داخل رؤية موحدة للتراث المصري.
ومن اللافت أن مصر حققت نشاطًا أوضح في تسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي، مثل السيرة الهلالية، والتحطيب، والأراجوز، والخط العربي، والاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة، والنقش على المعادن، والسمسمية والحناء والكشري. لكن من الضروري توضيح أن هذه «عناصر» مسجلة في قوائم اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، وليست «مواقع» على قائمة التراث العالمي التي تنظمها اتفاقية 1972. ولكل منهما فلسفته وإجراءاته ومتطلباته المختلفة.
إن وجود موقع طبيعي مصري واحد فقط على قائمة التراث العالمي لا يعني أن بقية الطبيعة المصرية تفتقر إلى القيمة. فالصحراء البيضاء وسيوة وجبل علبة ورأس محمد والشعاب المرجانية في البحر الأحمر والبحيرات الشمالية ومسارات الطيور المهاجرة وغيرها تمثل موارد طبيعية بالغة الأهمية. لكن القيمة الوطنية أو الجمال الطبيعي لا يؤديان تلقائيًا إلى التسجيل؛ فلا بد من إثبات القيمة العالمية الاستثنائية، ومقارنة الموقع بنظرائه عالميًا، وتوفير حماية قانونية وإدارة فعالة ومراقبة طويلة الأجل.
كذلك فإن اقتصار القائمة الثقافية المصرية على ستة مواقع لا يعكس التنوع الزمني والجغرافي والحضاري للبلاد. فالقائمة الحالية لا تقدم تمثيلًا كافيًا للتراث البحري والمغمور بالمياه، أو العمارة الحديثة، أو طرق التجارة والحج التاريخية، أو كثير من المدن التراثية التي صنعت شخصية مصر عبر العصور.
المطلوب إذن ليس إعداد ملف سريع كل عدة سنوات، وإنما وضع استراتيجية وطنية تمتد لعشر سنوات على الأقل. تبدأ هذه الاستراتيجية بمراجعة القائمة التمهيدية وتنقيتها وتحديثها، ثم اختيار عدد محدود من المواقع الواعدة وفق أولويات واضحة، وتشكيل فرق وطنية متخصصة لإعداد ملفاتها. كما يجب تخصيص ميزانيات مستقلة لهذا الغرض، والاستعانة بالجامعات والخبرات المصرية والدولية، وتدريب كوادر دائمة داخل وزارتي السياحة والآثار والبيئة، وإنشاء آلية تنسيق تجمع كل الجهات المعنية تحت مظلة وطنية واحدة.
إن تسجيل موقع على قائمة التراث العالمي ليس إنجازًا دعائيًا ولا مجرد إضافة شعار اليونسكو إلى لافتة الموقع. إنه أداة للحماية، وتحسين الإدارة، وجذب الاهتمام والبحث والتمويل، وتعزيز السياحة المسؤولة، وخلق فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية. لكنه في الوقت نفسه التزام طويل الأجل أمام المجتمع الدولي.
مصر لا تعاني فقرًا في التراث، بل تعاني قصورًا في تحويل ثرائها الهائل إلى ملفات مدروسة وسياسات مستدامة. وبينما تتحرك دول أخرى سنويًا لإضافة مواقع جديدة وتوسيع تمثيل تراثها، ما زالت عشرات المواقع المصرية تنتظر منذ عقود على القائمة التمهيدية. والسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: هل تمتلك مصر مواقع أخرى تستحق التسجيل؟ بل: لماذا لم ننجح حتى الآن في تسجيلها، وماذا يعيق انتقالها من قوائم الانتظار إلى خريطة التراث العالمي؟