عاجل

من الشراكة إلى الصدام.. لماذا تتدهور العلاقات التجارية بين أمريكا وكندا؟

الولايات المتحدة
الولايات المتحدة وكندا

تدخل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التوتر، مع تعثر المفاوضات بين البلدين وعودة الرسوم الجمركية المتبادلة إلى الواجهة، بما يهدد بتعقيد العلاقات الاقتصادية بين حليفين يرتبط اقتصاداهما بشكل وثيق.

وتصر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مواصلة سياسة الرسوم الجمركية، فيما ترد أوتاوا بإجراءات انتقامية، وسط مخاوف من توسع نطاق النزاع وتأثيره على الشركات والنمو الاقتصادي في البلدين.

من المفاوضات إلى التصعيد

تفاقم الخلاف بعد انهيار المحادثات التجارية بشكل مفاجئ في أغسطس الماضي، لتتخذ الأزمة منحى أكثر حدة، وصل إلى حد إصدار ترامب أمرًا بتغيير اسم بحيرة أونتاريو على الخرائط الأمريكية إلى «بحيرة أمريكا».

وتزامن ذلك مع بدء تطبيق رسوم أمريكية جديدة على واردات من كندا، قابلتها الحكومة الكندية برسوم مضادة، في وقت تتواصل فيه الخلافات بين البلدين منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض بشأن التجارة والأمن وعدد من الملفات الأخرى.

وكان ترامب، بعد أدائه اليمين لولاية ثانية في يناير 2025، قد اتخذ قرارًا بفرض رسوم على السلع الواردة من كندا والمكسيك، وهما شريكا الولايات المتحدة الآخران في اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «USMCA»، وهي الاتفاقية التي وقعها ترامب نفسه خلال ولايته الأولى ووصفها بأنها «أفضل اتفاقية أبرمناها على الإطلاق».

ورأت كندا أن الرسوم الأمريكية تخالف الاتفاقية، وردت بفرض رسوم انتقامية شملت بدورها عددًا من السلع الأمريكية، من بينها الصلب والألمنيوم والسيارات.

ما الرسوم الجديدة؟

وفي 22 أغسطس، فرضت إدارة ترامب رسومًا بنسبة 50% على بعض المنتجات الكندية استنادًا إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية الأمريكي الصادر عام 1930، وهي مادة لم يسبق استخدامها.

وتمنح هذه المادة الرئيس الأمريكي صلاحية فرض رسوم على الدول التي يرى أنها تمارس ممارسات تمييزية بحق التجارة الأمريكية.

وتطال الرسوم الجديدة نحو 5% من صادرات السلع الكندية السنوية إلى الولايات المتحدة، بما يعادل حوالي 20 مليار دولار، وتشمل منتجات مثل مستحضرات التجميل والمعاطف الشتوية وبصيلات الزهور والأثاث الخشبي ومنتجات الخرسانة.

لكن الإجراءات الأمريكية استثنت عددًا من أهم الموارد الطبيعية التي تستوردها واشنطن من كندا، وفي مقدمتها النفط والبوتاس والمعادن الحيوية.

وتعد كندا المورد الخارجي الأكبر للنفط الخام والمنتجات البترولية إلى الولايات المتحدة، إذ ترسل أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا إلى السوق الأمريكية.

كندا ترد برسوم مضادة

ولم تتأخر أوتاوا في الرد، إذ أعلنت حكومة رئيس الوزراء مارك كارني، في 8 سبتمبر، فرض رسوم تتراوح بين 15 و50% على مئات السلع الاستهلاكية الأمريكية، بما يعادل تقريبًا التأثير المالي للرسوم التي فرضتها إدارة ترامب.

كما رفعت كندا الرسوم على بعض منتجات الصلب والألمنيوم الأمريكية من 25% إلى 50%.

وشملت الرسوم الجديدة سلعًا أمريكية متعددة، بينها الحليب والأثاث ومضارب الجولف وأدوات المطبخ، إلى جانب أجهزة ألعاب الفيديو والهواتف الذكية وعدد من المنتجات الإلكترونية الأخرى.

أما بعض المنتجات، ومن بينها الأجهزة المنزلية، فتخضع لرسوم نسبتها 25%.

وبصورة إجمالية، تمتد هذه الإجراءات إلى صادرات أمريكية تمثل نحو 6% من إجمالي السلع التي تصدرها الولايات المتحدة إلى كندا.

كندا الأكثر عرضة للخسائر

وخلال اجتماع مغلق عقد في 26 أغسطس، أبلغ عدد من ممثلي القطاع الاقتصادي وزير المالية الكندي فرانسوا فيليب شامبين بأن تداعيات تصاعد الخلاف التجاري مع واشنطن يمكن احتواؤها.

لكن بعض الاقتصاديين حذروا من أنهم قد يخفضون توقعاتهم للنمو إذا استمرت الرسوم المرتفعة لفترة طويلة.

ومن المتوقع أن تقع الشركات الصغيرة والمتوسطة في كندا تحت ضغط أكبر، إذ ترى بعض الشركات أن رسومًا تصل إلى 50% قد تجعل استمرارها في السوق الأمريكية غير مجدٍ اقتصاديًا.

لماذا انهارت المفاوضات؟

كانت واشنطن وأوتاوا قد اقتربتا في الأسبوع الثاني من أغسطس من التوصل إلى اتفاق تجاري مؤقت، يتضمن خفض الرسوم على الصلب والألمنيوم الكنديين من 50% إلى 25%، إلى جانب تخفيضات مرتبطة بالسيارات والأخشاب اللينة.

وفي المقابل، كان من المفترض أن تتراجع كندا عن بعض إجراءاتها الانتقامية، ومنها القيود المفروضة على بيع النبيذ والمشروبات الكحولية الأمريكية بالتجزئة في معظم المقاطعات.

لكن المحادثات انهارت في 21 أغسطس.

وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير إن الإدارة مستعدة لخفض الرسوم على السيارات إلى 15% بدلًا من 25%، على أن يقتصر هذا التخفيض على السيارات والشاحنات الخفيفة.

إلا أن الجانب الكندي رفض العرض، معتبرًا أنه قد يضر بمصانع «جنرال موتورز» و«فورد» في أونتاريو، التي تنتج شاحنات أكبر وأكثر وزنًا.

ولم تقتصر الخلافات على الرسوم، إذ كشف كارني أن البيت الأبيض طرح مطالب أخرى، من بينها تخفيف القواعد المفروضة على منصات البث بشأن الترويج للمحتوى الكندي والمحتوى باللغة الفرنسية، وهو ما اعتبرته أوتاوا مساسًا بسيادتها الثقافية.

وتعد الفرنسية إحدى اللغتين الرسميتين في كندا، كما تمثل اللغة الأساسية في مقاطعة كيبيك، ثاني أكبر مقاطعات البلاد.

هل تتجه الحرب التجارية إلى مزيد من التصعيد؟

بعد دخول الرسوم الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ، قال ترامب في منشور عبر «تروث سوشيال» إن أمام القادة الكنديين خيارًا يتمثل في الانصياع، محذرًا من أن العواقب ستكون «أسوأ بكثير» على كندا إذا لم يفعلوا ذلك.

تم نسخ الرابط