مفتي ألبانيا: دور الفتوى يتجاوز بيان الحكم الشرعي إلى ترشيد وعي المجتمع
أكد سماحة الشيخ بويار سباهيو، المفتي العام لجمهورية ألبانيا ورئيس المشيخة الإسلامية الألبانية، أن مسؤولية المفتي في العصر الحديث لم تعد تقتصر على بيان الحكم الشرعي، وإنما تمتد إلى ترشيد الوعي الديني وحماية المجتمع من خطاب الغلو والتشدد، ومن الفتاوى المتعجلة أو المجتزأة، مشدداً على أن التجربة الألبانية أثبتت أن الاعتدال الديني القائم على العلم والوعي بواقع المجتمع يمكن أن يكون عنصراً أساسياً في تحقيق الاستقرار وتعزيز التعايش.
جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يُعقد في القاهرة على مدار يومين، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم .
وقال سباهيو إن اجتماع العلماء والمفتين وممثلي المؤسسات الإفتائية في مثل هذه المحافل العلمية يجسد أهمية التواصل والتعاون المؤسسي وتبادل الخبرات والرؤى بشأن القضايا والتحديات المعاصرة، بما يسهم في ترسيخ منهج الاعتدال والوسطية، وتعزيز الوعي الشرعي، وتطوير الخطاب الإفتائي على نحو يحقق مصالح المجتمعات ويحافظ على وحدتها وتماسكها، موضحاً أن تجربة المشيخة الإسلامية الألبانية تؤكد أن الفتوى لا يمكن أن تنفصل عن واقع الناس أو عن طبيعة المجتمعات التي يعيشون فيها، مؤكداً أن نجاح الخطاب الإفتائي يرتبط بقدرته على فهم البيئة الاجتماعية والفكرية والثقافية التي يخاطبها، وعدم الاكتفاء بتقديم إجابات مجردة لا تراعي خصوصيات الواقع .
وأضاف أن المفتي اليوم يتحمل مسؤولية مزدوجة؛ فهو مطالَب من جهة ببيان الحكم الشرعي على أساس علمي رصين، ومن جهة أخرى بالمساهمة في بناء وعي ديني متوازن يمنع انجراف المجتمع نحو الغلو والتشدد، ويحميه كذلك من الفتاوى المتعجلة التي تنتزع الأحكام من سياقاتها أو تقدمها بصورة مجتزأة، مشيراً إلى أن التجربة الألبانية قدمت نموذجاً يؤكد أن الاعتدال الديني، عندما يستند إلى العلم والفهم العميق لواقع المجتمع، يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تعزيز الاستقرار والتعايش، وبناء علاقة متوازنة بين الالتزام بالقيم الإسلامية والمواطنة والمسؤولية تجاه المجتمع .
وتوقف سباهيو عند خصوصية الواقع الأوروبي، مؤكداً أن المسلمين في أوروبا يعيشون داخل بيئات تتسم بالتعدد الثقافي والديني والاجتماعي، وهو ما يفرض على المؤسسات الإفتائية تطوير خطاب قادر على التعامل مع هذه الخصوصية، من دون التفريط في المرجعية الشرعية أو تجاهل طبيعة المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، مشدداً على أن المسلمين في أوروبا يمثلون جزءاً أصيلاً من مجتمعاتهم ويسهمون في بنائها، ومن ثم فإن الخطاب الإفتائي الموجه إليهم ينبغي أن يساعدهم على التوفيق بين التمسك بدينهم وهويتهم وبين أداء واجباتهم كمواطنين فاعلين ومسؤولين داخل مجتمعاتهم .
وأكد أن الخطاب الإفتائي المطلوب في البيئة الأوروبية ينبغي أن يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية وفقه الواقع، وأن يعمل على ترسيخ قيم المواطنة والتعايش والاحترام المتبادل، بحيث لا يشعر المسلم بوجود تعارض بين انتمائه الديني وانتمائه إلى المجتمع الذي يعيش فيه، موضحاً أن الحفاظ على الهوية الإسلامية لا يعني الانعزال عن المجتمع، كما أن الاندماج والمشاركة الإيجابية لا ينبغي أن يؤديا إلى فقدان الخصوصية الدينية، مشيراً إلى أن المهمة الأساسية للمؤسسات الدينية تتمثل في بناء التوازن بين هذين البُعدين .
ودعا سباهيو إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الإفتائية في العالم الإسلامي والمؤسسات الإسلامية في أوروبا، بما يسمح بتبادل الخبرات والتجارب، وبناء اجتهاد رشيد يستجيب لخصوصية الواقع الأوروبي، ويقدم حلولاً شرعية تراعي طبيعة المجتمعات المتعددة دينياً وثقافياً، مؤكداً أن مثل هذا التعاون من شأنه أن يخدم استقرار المجتمعات ووحدتها، ويساعد على تطوير خطاب إسلامي قادر على التعامل مع الأسئلة الجديدة التي تفرضها حياة المسلمين في أوروبا، بعيداً عن الجمود من جهة، أو التفريط في الثوابت من جهة أخرى .
وأشاد المفتي العام لألبانيا بالجهود التي تبذلها دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم في جمع كلمة العلماء وتعزيز جسور التواصل والتعاون بين المؤسسات الإفتائية، معرباً عن تقديره لفضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، ولدار الإفتاء المصرية على تنظيم المؤتمر وإتاحة مساحة للحوار العلمي والتشاور وتبادل الخبرات بين علماء ومفتي العالم، كما وجه الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي على رعايته للمؤتمر، معرباً عن تقديره لمصر وما تمثله من مكانة علمية ودينية، ولا سيما بوصفها بلد الأزهر الشريف وملتقى العلماء والمؤسسات الدينية .
واختتم سباهيو كلمته بالتأكيد على أهمية أن تسهم مخرجات المؤتمر في دعم العمل الإفتائي المؤسسي، وتعزيز التعاون بين العلماء والمفتين، وتطوير خطاب ديني أكثر قدرة على التعامل مع تحديات المجتمعات المعاصرة، بما يخدم الدين والأمة ويعزز استقرار المجتمعات وتماسكها .



