عاجل

أمين إفتاء عمان: التحولات المعاصرة أعادت تشكيل الأسرة وفرضت تحديات التربية

أمين إفتاء عمان
أمين إفتاء عمان

أكد الشيخ أحمد بن سعود السيابي، أمين عام مكتب الإفتاء بسلطنة عمان، أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية المتسارعة التي يشهدها العالم انعكست بصورة مباشرة على بنية الأسرة وأدوار أفرادها وأنماط حياتها، الأمر الذي يفرض التعامل مع قضايا الأسرة بمنظور متوازن يجمع بين حماية الثوابت وفهم المتغيرات، ويضع التنشئة السليمة والاستقرار الزوجي والحفاظ على الهوية في مقدمة الأولويات.

جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يعقد في القاهرة برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم .

وأكد السيابي أن الأسرة تمثل النواة الأساسية والركيزة الجوهرية لقيام المجتمع واستقراره، وإن الزوجين يشكلان حجر الأساس الأول لهذا البناء الاجتماعي، لافتاً إلى أن التحولات المعاصرة لم تبقَ خارج حدود الأسرة، وإنما دخلت إلى تفاصيل حياتها اليومية وأعادت تشكيل عدد من الأدوار والعلاقات داخلها، موضحاً أن تغير أنماط الحياة واتساع مشاركة المرأة في مجالات العمل والحياة العامة صاحبه تحول في طبيعة الأدوار التقليدية داخل الأسرة .

وحذَّر السيابي من الأبعاد التربوية والثقافية التي قد تنشأ عندما يتولى تربية الطفل في مراحل عمرية حساسة أشخاص ينتمون إلى خلفيات لغوية وثقافية ودينية مختلفة، مؤكداً أن الطفل يتأثر بشدة بالبيئة المحيطة وبمن يتولى رعايته بصورة يومية في فترات غياب والديه، مشيراً إلى أن استمرار هذا النمط دون وعي أو متابعة قد يؤدي إلى تراجع فرص غرس القيم الإسلامية والمفاهيم العقدية والآداب التي تنسجم مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمع .

وأضاف أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية قد تنعكس أيضاً على العلاقة الزوجية، وقد تتسبب في نشوء خلافات تصل في بعض الحالات إلى الطلاق، خصوصاً إذا غاب الوعي بالأحكام الشرعية المنظمة للعلاقات الأسرية وبكيفية إدارة الخلافات بحكمة وروية، مؤكداً أن التشريع الإسلامي أحاط مسألة الطلاق بضوابط واضحة تمنع التسرع وتحفظ فرص استمرار الأسرة .

ولفت السيابي إلى أن المعطيات الواقعية في سلطنة عمان تشير إلى أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق تنتج عن قرارات انفعالية ولحظات غضب لا تتوافر فيها مساحة كافية للتروي والتفكير، وهو ما يجعل نشر الوعي بأحكام فقه الأسرة وفقه الزواج والطلاق ضرورة وقائية لحماية البيوت من الانهيار، كما شدد على أن الحياة الزوجية المستقرة تقوم على ركيزتين متكاملتين: الالتزام بالمسؤوليات والقيم المنظمة للعلاقة الزوجية، وتقدير كل طرف للآخر واحترامه .

وحول الدور المحوري للمرأة في بناء الأجيال، استحضر السيابي المعنى الذي عبَّر عنه شاعر النيل حافظ إبراهيم في قوله: "الأم مدرسة..."، مؤكداً أن إعداد الأم وتأهيلها تربوياً وعلمياً وقيمياً يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل المجتمع كله .

وتوقف السيابي عند التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي داخل البيوت، مؤكداً أن الانتشار الواسع للهواتف والمنصات الرقمية بين الآباء والأمهات والأبناء أحدث تحولاً بنيوياً في نمط الحياة الأسرية، وأدى في حالات كثيرة إلى استنزاف الوقت والانشغال المستمر بالشاشات على حساب الحوار والتفاعل المباشر، مما تسبب في إضعاف قنوات التواصل داخل بعض الأسر وتراجع فرص الحوار والتفاهم، وخلق حالة من التباعد العاطفي والاجتماعي رغم التقارب المكاني .

ودعا السيابي إلى تأصيل ثقافة ترشيد استخدام الوسائط الرقمية، وعدم التعامل معها بوصفها شراً مطلقاً أو وسيلة ينبغي رفضها، وإنما العمل على استثمارها بوعي وتحديد أنماط استخدامها بما يعيد بناء الروابط الأسرية ويمنح الأسرة مساحة أكبر للحوار والتواصل الإنساني المباشر .

كما حذر من أن المتابعة غير المنضبطة لبعض القنوات الفضائية والمنصات والمحتويات الرقمية من جانب أحد الزوجين أو كليهما قد تصبح مصدراً إضافياً للخلافات، وتولد فجوات في التفاهم بين الزوجين، وربما تتفاقم آثارها حتى تصل إلى انهيار العلاقة الزوجية، مؤكداً أن الطلاق لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأناً محصوراً بين الزوجين، لأن آثاره تمتد بصورة مباشرة إلى الأبناء وقد تؤثر في استقرارهم النفسي والتربوي ومسار نشأتهم .

وأشار السيابي إلى أن الحياة الزوجية تقوم في أصلها على التعاون والتعاضد وتحمل المسؤولية المشتركة، مستشهداً بمعاني ما قرره علماء عمان في الحديث عن قيام كل من الزوج والزوجة بمسؤوليته، وأن نجاح الأسرة يرتبط بمدى التزام الطرفين بالقيم والسلوك والمبادئ التي تضبط العلاقة بينهما .

وفي ختام كلمته، شدد السيابي على أن قدرة الأسرة المسلمة على مواجهة التحولات الكبرى تظل مرتبطة بوعي أفرادها ومسؤوليتهم، وبالتمسك بالقيم الإسلامية مع استيعاب متطلبات الواقع، بما يسمح للأسرة بأن تتكيف إيجابياً مع المتغيرات من دون أن تفقد هويتها أو رسالتها التربوية والاجتماعية، مؤكداً أن التحولات المعاصرة ليست سلبية بالكامل، وأن الأسرة المسلمة قادرة بالعلم والوعي على التكيف وإنتاج أجيال متمسكة بالقيم .

تم نسخ الرابط