وزير الشؤون الدينية بمالي: فقه الواقع يمنح الفتوى مرونة لمواجهة التحديات
أكد الدكتور محامادو كونيه، وزير الشؤون الدينية والعبادات والعادات بجمهورية مالي، أن التعامل الإفتائي مع التحديات الأسرية المعاصرة يتطلب الجمع بين فقه الواقع وفقه المقاصد الشرعية وفقه الموازنات والنوازل، بما يمكن المفتي من استيعاب طبيعة التحولات الجديدة وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع بصورة رشيدة، مشدداً على أن مرونة الشريعة وقدرتها على مراعاة تغير الزمان والمكان والمآلات تمثل أساساً لمواجهة القضايا المستجدة وحماية الأسرة .
جاء ذلك خلال كلمته في جلسة الوفود الرسمية ضمن فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يُعقد في القاهرة على مدار يومين، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم .
وأكد كونيه أن اختيار موضوع التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى يأتي في توقيت بالغ الأهمية، لا سيما في ظل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، التي باتت تجعل كثيراً مما كان ينظر إليه في السابق على أنه مستحيل أمراً ممكناً، بما يفرض على المؤسسات الدينية والإفتائية تطوير أدواتها في فهم التحولات وآثارها على الأسرة والمجتمع .
وأوضح أن الأسرة تمثل اللبنة الحياتية الأولى والأساس الذي يقوم عليه الفرد والمجتمع، وأن أي ضرر يصيبها لا يتوقف عند حدود أفرادها، وإنما تنعكس آثاره على الحياة العامة والاستقرار المجتمعي، مشيراً إلى أن حفظ النسل والعرض والحياة يندرج ضمن الضروريات الكبرى التي جاءت الشريعة بصيانتها .
وأشار وزير الشؤون الدينية بمالي إلى المكانة المحورية للمرأة في بناء الأسرة، مؤكداً ضرورة إيلائها اهتماماً واسعاً، وصون كرامتها وإنسانيتها، وتعزيز مكانتها داخل الأسرة والمجتمع، باعتبارها عنصراً رئيساً في حماية البيت وتربية الأجيال، مستحضراً المعنى الشهير: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق"، مشدداً على أن الاستثمار في المرأة والأم هو في جوهره استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله .
وحذر كونيه من أن التحديات الرقمية باتت حاضرة بقوة داخل البيوت، الأمر الذي يجعل من الضروري أن يتفقه الدعاة والمفتون في فن الموازنات والتعامل مع النوازل والحوادث والوقائع، مؤكداً أن التعامل مع آثار الرقمنة لا ينبغي أن يكون بمنطق الرفض المطلق، وإنما بالاحتكام إلى المنهج الشرعي القائم على الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، مع دراسة كل مشكلة بحسب ظروفها وملابساتها .
وأوضح أن نجاح المفتي في التعامل مع القضايا المتجددة يتطلب منه إعمال العقل وفق منهجية مدروسة، ووضع كل حالة في سياقها المناسب، بحيث لا تُنقل الأحكام بصورة آلية من واقعة إلى أخرى، وإنما تراعى خصوصية المشكلة والبيئة والمآلات المترتبة عليها، مشيراً إلى أن فقه النوازل يقوم كذلك على قواعد التيسير وتنزيل الحاجات منازلها وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان .
وشدد على أن هذه القدرة التشريعية تؤكد أن الإسلام لا يقف أمام التطور أو التنمية، بل يمتلك من المرونة والمقاصد والقواعد ما يسمح له بالتعامل مع مختلف التحولات، متى توافرت قراءة واعية للنص والواقع معاً، واصفاً المؤتمر بأنه فرصة مهمة للمجالس والمؤسسات الدينية لمواكبة العصر وتصحيح التصورات المغلوطة التي تقدم الإسلام باعتباره عائقاً أمام التنمية والتقدم .
واختتم كونيه كلمته مثمناً جهود الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم ودار الإفتاء المصرية في تنظيم المؤتمر، معتبراً أن موضوع الأسرة في سياق التحولات الكبرى والذكاء الاصطناعي يجمع بين أبعاد شرعية وإنسانية وثقافية واجتماعية بالغة الأهمية، معرباً عن أمله في أن تسهم أعمال المؤتمر في تقديم رؤى عملية تعزز دور المؤسسات الإفتائية في خدمة المجتمعات ومواجهة تحديات المستقبل .



