وزير الأوقاف السوري بمؤتمر الإفتاء: تحديات الأسرة تقتضي تعاوناً عابراً للحدود
أكد الدكتور محمد أبو الخير شكري، وزير الأوقاف السوري، أن الأسرة في التصور الإسلامي ليست مجرد رابطة اجتماعية أو إطار قانوني ينظم علاقة مجموعة من الأفراد، وإنما هي موطن السكينة، ومؤسسة بناء الإنسان، والحاضنة الأولى للقيم والأخلاق والهوية، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
جاء ذلك خلال جلسة الوفود بفعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي يُعقد تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، يومي 2 و3 سبتمبر، تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
وأضاف وزير الأوقاف السوري أن استقرار الأسرة ليس شأناً خاصاً بأفرادها فحسب، بل هو جزء من الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني؛ فكلما كانت الأسرة أكثر تماسكاً، كان المجتمع أقدر على مواجهة الأزمات والتحولات، معرباً عن شكره للدولة المصرية ودار الإفتاء على اختيار موضوع يتناول واحدة من أهم قضايا حاضر مجتمعاتنا ومستقبلها.
وأوضح أن العالم اليوم يعيش تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية ورقمية متسارعة غير مسبوقة، غيرت أنماط التواصل، وأثرت في منظومة القيم، وأوجدت أسئلة ونوازل جديدة داخل الأسرة، كما أن الحروب والنزاعات والهجرة واللجوء والضغوط الاقتصادية أضافت تحديات أخرى لا يمكن للمؤسسات الدينية والإفتائية أن تبقى بعيدة عنها.
وتابع: من هنا تتأكد أهمية موضوع هذا المؤتمر؛ لأن الفتوى الرشيدة لا تنفصل عن واقع الإنسان، فهي تجمع بين سلامة التأصيل الشرعي، ودقة تصور الواقع، ومراعاة مقاصد الشريعة، والنظر في مآلات الأحكام وآثارها، مشيراً إلى أن أحد التحديات أمام مؤسساتنا اليوم هو الانتقال بالفتوى الأسرية من مجرد الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى الإسهام في الوقاية منها ومعالجة أسبابها.
وتطرق وزير الأوقاف السوري إلى واقع الأسرة السورية خلال السنوات الماضية، لافتاً إلى أنها مرت بظروف استثنائية من الحرب والنزوح والهجرة وتشتت بعض الأسر، إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تركت آثارها على الإنسان والمجتمع، مضيفاً أن سوريا اليوم تتطلع إلى مرحلة جديدة من التعافي وإعادة البناء واستعادة الاستقرار، لأن إعادة بناء الوطن لا يمكن أن تقتصر على إعادة بناء الحجر والبنية التحتية، وإنما تبدأ من بناء الإنسان وحماية الأسرة وترميم الروابط الاجتماعية.
وأكد أن وزارة الأوقاف ومجلس الإفتاء الأعلى في سوريا ينظران إلى الأسرة باعتبارها ميداناً أساسياً من ميادين العمل الديني والمجتمعي، مشدداً على ضرورة تطوير أدوات الإرشاد الديني والأسري، وتأهيل الكوادر القادرة على فهم المشكلات الأسرية في أبعادها الشرعية والنفسية والاجتماعية.
وفي سياق آخر، دعا إلى تعزيز التعاون بين دور الإفتاء ووزارات الأوقاف والمؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي، وتبادل الخبرات والدراسات في قضايا الأسرة، والاستفادة من التجارب الناجحة في الإرشاد والإصلاح الأسري، مؤكداً أن التحولات التي تواجه الأسرة اليوم تتجاوز حدود الدول، ولذلك فإن مواجهتها تحتاج أيضاً إلى تعاون يتجاوز الحدود.
واختتم وزير الأوقاف السوري كلمته بأن حماية الأسرة لا يمكن أن تتحقق بالمعالجة الشرعية وحدها، بل تحتاج إلى بيئة اقتصادية واجتماعية داعمة، وهنا تظهر أهمية استعادة الدور المجتمعي لمؤسساتنا الإسلامية، وفي مقدمتها الوقف والزكاة، في مساندة الأسر، ودعم الشباب المقبلين على الزواج، ورعاية الفئات الأكثر احتياجاً.



