عاجل

أسطورة "عروس النيل".. من أين جاءت ولماذا قدّمها المصريون القدماء قربانًا؟

أرشيفية
أرشيفية

تزامن الاحتفال المصري بذكرى عيد «وفاء النيل»، الذي يوافق 15 أغسطس من كل عام، مع تجدد الجدل حول واحدة من أكثر الروايات ارتباطًا بالنهر في الذاكرة الشعبية، وهي قصة «عروس النيل»، التي تزعم أن المصريين القدماء كانوا يقدمون فتاة قربانًا للنهر لضمان حدوث الفيضان.

وأعادت الفعاليات التي نظمتها وزارة الموارد المائية والري إحياء النقاش حول هذه الرواية التاريخية، وسط محاولات لتصحيح بعض المعتقدات الشائعة المرتبطة بالنيل، وفي مقدمتها فكرة تقديم القرابين البشرية.

النيل.. أساس الحضارة المصرية

ارتبط المصري القديم بنهر النيل ارتباطًا وثيقًا، إذ شكل النهر المصدر الرئيسي للمياه والزراعة والحياة، وأسهم في قيام واحدة من أقدم الحضارات في العالم.

وكان فيضان النيل يمثل حدثًا استثنائيًا كل عام، نظرًا لدوره في تجديد التربة وتوفير المياه اللازمة للزراعة، وهو ما دفع المصريين إلى ربطه بالمعبود «حابي»، الذي كان يرمز في المعتقدات المصرية القديمة إلى الخصوبة والرخاء والوفرة.

ومع مرور الوقت، تحولت العلاقة الروحية والحضارية بين المصريين والنهر إلى مجموعة من القصص والأساطير الشعبية، من بينها رواية «عروس النيل»، التي تتحدث عن إلقاء فتاة في النهر لضمان استمرار الفيضان.

لكن هذه الرواية، رغم انتشارها الواسع، لا تستند إلى أدلة أثرية قاطعة تؤكد حدوثها.

هيرودوت لم يذكر «عروس النيل»

ويقول مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، في تصريحات صحفية، إن المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد ودوّن كثيرًا من التفاصيل المتعلقة بالحياة المصرية القديمة، لم يشر في كتاباته إلى وجود عادة تقضي بإلقاء فتاة في النيل باعتبارها قربانًا.

وأضاف أن الوثائق والنقوش التي عُثر عليها في منطقة جبال السلسلة بمحافظة أسوان، والتي تناولت الاحتفالات المرتبطة بعيد وفاء النيل خلال عصور رمسيس الثاني وسيتي الأول ومرنبتاح، لم تتضمن أي إشارة إلى ممارسة طقس «عروس النيل».

من أين جاءت الرواية؟

ويرجح شاكر أن انتشار القصة يعود إلى رواية وردت في كتاب «فتوح مصر والمغرب» للمؤرخ العربي ابن عبد الحكم.

وتتحدث الرواية عن وجود عادة قديمة تقضي بإلقاء فتاة في النيل كل عام، قبل أن يرفض عمرو بن العاص استمرارها بعد دخول الإسلام إلى مصر، كما تتضمن القصة رواية أخرى تتحدث عن رسالة منسوبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، أرسلها إلى النيل، قبل أن يعود النهر إلى الجريان.

إلا أن شاكر يؤكد أن هذه الروايات لا تستند إلى وثائق تاريخية موثقة تثبت وقوعها بالفعل، وأشار إلى أن الأديب والمفكر عباس محمود العقاد تناول هذه الرواية في كتابه «عبقرية عمر»، وانتهى إلى نفي صحتها.

مؤرخون ورحالة لم يوثقوا هذه العادة

ويشير شاكر إلى أن عددًا كبيرًا من المؤرخين والجغرافيين والرحالة الذين زاروا مصر في عصور مختلفة لم يسجلوا وجود مثل هذه الممارسة.

ومن بين هؤلاء المؤرخين المسعودي والكندي، إلى جانب الرحالتين ناصر خسرو وابن جبير، فضلًا عن الطبيب والمؤرخ عبد اللطيف البغدادي.

ويرى متخصصون أن غياب أي إشارات مباشرة في كتابات هؤلاء يعزز فرضية أن قصة «عروس النيل» أقرب إلى الأسطورة الشعبية منها إلى الحقيقة التاريخية.

السينما صنعت صورة راسخة في الوعي المصري

ورغم الجدل التاريخي، فإن السينما لعبت دورًا رئيسيًا في ترسيخ قصة «عروس النيل» داخل الوعي الشعبي، ويعد فيلم «عروس النيل»، الذي أُنتج عام 1963 وقامت ببطولته الفنانة لبنى عبد العزيز والفنان رشدي أباظة، من أبرز الأعمال التي ساهمت في انتشار هذه الرواية.

وتدور أحداث الفيلم حول مهندس جيولوجي يتوجه إلى الأقصر للبحث عن النفط، قبل أن يواجه سلسلة من الروايات المرتبطة بما يُعرف بـ«لعنة الفراعنة».

وخلال رحلته، يلتقي شخصية «هاميس»، التي تقدم نفسها باعتبارها ابنة الإله «آتون»، لتتطور الأحداث وتربط بين الشخصية والأسطورة الشهيرة المتعلقة بعرائس النيل.

وقدمت الرواية السينمائية الفتيات على أنهن ضحايا قُدمن للنهر أحياءً لضمان استمرار الفيضان، وهي الصورة التي ساهمت في ترسيخ الأسطورة لدى أجيال متعاقبة، لكن، وبعد عقود من انتشار القصة، لا تزال الأدلة الأثرية والتاريخية عاجزة عن إثبات وجود عادة حقيقية تقضي بتقديم فتيات قرابين لنهر النيل، ليبقى الجدل قائمًا بين الرواية الشعبية والحقائق التاريخية.

تم نسخ الرابط