عاجل

«إمبراطورية زاهي حواس».. كيف احتكر رجل واحد صورة الآثار المصرية في العالم؟

زاهي حواس
زاهي حواس

على مدار سنوات طويلة، لم يكن اسم زاهي حواس، مجرد اسم مسؤول حكومي يدير ملف الآثار في مصر، بل تحول إلى ما يشبه «العلامة التجارية الحصرية» للحضارة المصرية القديمة، حتى بدا للملايين حول العالم أن الرجل وحده هو من يكتشف، ويقرر، ويتحدث باسم التاريخ المصري كله، وكان ذلك واضحا من خلال قبعة إنديانا جونز، التي يضعها فوق راسه، الظهور الدائم أمام الكاميرات، المؤتمرات الدولية، البرامج الوثائقية، الجولات الأجنبية، المحاضرات مرتفعة الأجر، المعارض العالمية، التصريحات المثيرة، فجميعها صنعت صورة لرجل بدا وكأنه «الحاكم المطلق» لعالم الآثار المصرية، لكن خلف هذه الصورة اللامعة، ظل سؤال يتردد داخل الأوساط الأثرية: هل تحولت آثار مصر، بكل ما تمثله من تاريخ وهوية، إلى إمبراطورية شخصية يديرها نجم واحد؟


صناعة «النجم الأوحد»


خلال سنوات وجوده على رأس المجلس الأعلى للآثار، نجح حواس في ترسيخ معادلة إعلامية غير مسبوقة: أي اكتشاف أثري كبير لا بد أن يمر عبره، وأي بعثة أجنبية أو كشف جديد لا يكتمل حضوره الإعلامي إلا بوجوده في الصورة، شيئًا فشيئًا، اختفت أسماء عشرات الباحثين والمتخصصين المصريين من المشهد العام، رغم أن كثيرين منهم يمتلكون مسيرة علمية وأكاديمية أكثر عمقًا، بينما أصبح حواس هو «الوجه الوحيد» الذي يعرفه العالم عن علم المصريات في مصر.
 

عدد من علماء الآثار انتقدوا هذا النموذج، معتبرين أن الرجل لم يكتفِ بإدارة الملف الأثري، بل أعاد تشكيله إعلاميًا ليتمحور حول شخصه، حتى تحولت المؤسسة بأكملها إلى ما يشبه منصة لإنتاج نجوميته الخاصة.


الآثار كأداة للنفوذ الشخصي


لم يتوقف الأمر عند السيطرة الرمزية أو الإعلامية، بل امتد إلى شبكة واسعة من المصالح المرتبطة بالآثار المصرية عالميًا، فقد ارتبط اسم حواس بالمعارض الدولية الكبرى، خاصة معارض توت عنخ آمون التي جابت أوروبا والولايات المتحدة وحققت عوائد مالية ضخمة، بالتوازي مع حضوره المستمر في البرامج الوثائقية العالمية، خصوصًا عبر National Geographic، إضافة إلى جولات المحاضرات التي كانت تدر عليه عشرات الآلاف من الدولارات للمحاضرة الواحدة، وبينما كانت الآثار المصرية تستخدم باعتبارها أحد أهم عناصر القوة الناعمة للدولة، كان حواس في الوقت نفسه يرسخ صورته الشخصية كنجم عالمي، مستفيدًا من منصبه الرسمي ونفوذه الواسع داخل قطاع الآثار،  حتى مظهره الشخصي تحول إلى مشروع تسويقي؛ قبعة خاصة باسمه، وخط ملابس مستوحى من صورته كـ«مستكشف فرعوني»، في مشهد رأى فيه منتقدوه خلطًا غير مسبوق بين التراث الوطني والاستثمار الشخصي في الشهرة.


احتكار الحديث باسم الحضارة


واحدة من أكثر النقاط المثيرة للجدل كانت طريقة إدارة المعلومات والاكتشافات الأثرية، فقد اتُهم حواس مرارًا بالسيطرة على الإعلان عن الاكتشافات، ومنع الباحثين والبعثات من الحديث للإعلام قبل الرجوع إليه، وهو ما خلق حالة من «المركزية المطلقة» داخل المشهد الأثري، ومع الوقت، ترسخت صورة ذهنية لدى الإعلام الغربي بأن زاهي حواس ليس فقط مسؤولًا عن الآثار، بل المرجع الوحيد القادر على تفسير الحضارة المصرية القديمة، رغم وجود مئات المتخصصين المصريين والأجانب في هذا المجال.

 

ويرى باحثون أن هذه «الشخصنة» أضرت بعلم المصريات نفسه، إذ اختزلت تاريخًا يمتد لآلاف السنين ومؤسسات علمية كاملة في صورة رجل واحد دائم الظهور أمام الكاميرات.


بين العلم والاستعراض


منتقدو حواس لا ينكرون نجاحه في جذب الاهتمام العالمي للآثار المصرية، لكنهم يعتبرون أن الرجل نقل الملف الأثري من المجال العلمي إلى مساحة أقرب للاستعراض الإعلامي، فبرامج التلفزيون، والتصريحات المثيرة، والإعلانات المتكررة عن «اكتشافات كبرى»، صنعت حالة من الإثارة الجماهيرية، لكنها ـ بحسب بعض المتخصصين ـ جاءت أحيانًا على حساب الدقة العلمية والهدوء الأكاديمي.

 

ويرى هؤلاء أن كثيرًا من علماء الآثار الحقيقيين ظلوا بعيدين عن الأضواء، ليس لأنهم أقل علمًا، بل لأنهم لم يمتلكوا أدوات صناعة النجومية أو لم يرغبوا في تحويل أنفسهم إلى «عرض إعلامي دائم».


إمبراطورية الرجل الواحد


بعد عام 2011، ظهرت الانتقادات المكتومة إلى العلن، اتهمه معارضوه بالفساد وتضارب المصالح واستغلال الآثار لصناعة نفوذ شخصي واسع، ونجح في تكوين إمبراطورية من خلال ملف كامل تم ربطه بشخص واحد، ورغم خروجه من المنصب، بقي حواس حاضرًا في الإعلام العالمي باعتباره «الصوت الرسمي» للآثار المصرية، في مفارقة تكشف حجم النفوذ الذي بناه طوال سنوات.

 

تبقى تجربة زاهي حواس واحدة من أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة؛ تجربة اختلط فيها العلم بالسلطة، وتحولت فيها الحضارة المصرية القديمة، بالنسبة للكثيرين، من إرث إنساني جماعي إلى ساحة نفوذ تدور حول اسم واحد فقط.

تم نسخ الرابط