أشد المتطرفين داخل الاحتلال.. قصة صعود بن غفير داخل الحكومة الإسرائيلية
لم يعد اسم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مجرد عنوان للتطرف الهامشي في السياسة الإسرائيلية، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى أحد أكثر الشخصيات نفوذًا وإثارة للجدل داخل الحكومة، مع تأثير مباشر على أجهزة الشرطة والسجون ومنظومة إنفاذ القانون.
وجاءت أحدث موجات الجدل بعد نشره مقطع فيديو ظهر فيه وهو يسخر من معتقلين من أسطول الصمود المتجه إلى قطاع غزة، حيث ظهروا راكعين ومكبلين ومعصوبي الأعين، بينما لوح بن غفير فوقهم قائلا: “نحن أصحاب الأرض”، في مشهد أثار إدانات دولية واسعة.
وأعربت بريطانيا وفرنسا عن رفضهما الشديد لتصرفاته، فيما أعلن وزير الخارجية الفرنسي منعه من دخول الأراضي الفرنسية، بينما وصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل الحادث بأنه “سلوك حقير” يسيء إلى صورة إسرائيل.
ورغم هذه الإدانات، لم تتراجع مكانة بن غفير السياسية داخل معسكره، بل عززت صورته لدى قاعدته اليمينية باعتباره سياسيًا يرفض الضغوط الخارجية ويتمسك بخطاب “القوة بلا اعتذار”، وفق توصيف مراقبين.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في انتقاد غير مباشر إن تلك الصور “لا تمثل وجه إسرائيل”، إلا أن بن غفير ردّ مؤكدًا أن ما جرى يمثل “مصدر فخر” له.

من كاخ إلى قلب الحكومة
وُلد بن غفير عام 1976 لعائلة يهودية من أصول عراقية كردية، ونشأ في بيئة علمانية قبل أن ينخرط مبكرًا في التيارات القومية المتشددة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
وانضم إلى حركة “كاخ” التي أسسها الحاخام المتطرف مئير كاهانا، والتي حُظرت لاحقًا وصُنفت كمنظمة إرهابية بسبب خطابها العنصري ضد العرب.

ومع بلوغه سن الخدمة العسكرية، أعفاه الجيش الإسرائيلي من التجنيد بسبب تصنيفه كـ”متطرف خطير”، وفق تقارير إسرائيلية، إلا أنه واصل نشاطه السياسي وتراكمت بحقه إدانات جنائية متعددة شملت التحريض والعنصرية ودعم تنظيمات محظورة وعرقلة عمل الشرطة.
وبرز اسمه مبكرًا عام 1995 حين ظهر بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في سياق سياسي مثير للجدل، ما جعله مرتبطًا لسنوات بثقافة التحريض داخل اليمين المتشدد.
لاحقًا، احتفظ داخل منزله بصورة للمتطرف باروخ غولدشتاين منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، قبل أن يقوم بإزالتها لاحقًا مع دخوله الحياة السياسية الرسمية.

صعود سياسي عبر التحالفات
في عام 2012 أسس حزب “عوتسما يهوديت”، قبل أن يدخل الكنيست عبر تحالفات مع اليمين الديني والقومي، وصولًا إلى دوره الحاسم في تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو عام 2021، ما نقل حضوره من هامش السياسة إلى مركزها.
وتعزز نفوذه لاحقًا بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، حيث ارتفعت شعبيته في أوساط التيارات القومية والدينية، خصوصًا بين الشباب والشرائح الاجتماعية المهمشة.
ويعتمد بن غفير في خطابه على زيارات متكررة للمسجد الأقصى/جبل الهيكل، ودعوات لتشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين، إضافة إلى مطالبته بفرض عقوبة الإعدام على من تصفهم إسرائيل بـ”الإرهابيين”.

مخاوف داخلية وانقسام سياسي
في المقابل، يثير صعوده قلقًا واسعًا داخل مؤسسات إسرائيلية، حيث يرى خصومه أنه يمثل تهديدًا للتوازن الديمقراطي، ويتهمونه بمحاولة تسييس الشرطة وتقويض استقلال القضاء وتشجيع عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
كما تبدي أوساط عسكرية وأمنية مخاوف من تنامي نفوذ التيارات الدينية المتشددة داخل الجيش، في ظل حوادث مرتبطة بوحدات مثل “نتساح يهودا”، التي ارتبط اسمها بتجاوزات ضد الفلسطينيين.
ورغم الانتقادات الدولية والمحلية، يواصل بن غفير تعزيز موقعه داخل الحكومة مستفيدًا من توازنات الائتلاف اليميني، ما يجعله اليوم أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد السياسي الإسرائيلي، ورمزًا لتحولات عميقة تشهدها الدولة باتجاه مزيد من التشدد القومي والديني في صناعة القرار.



