علي جمعة: المنهج النبوي أساسه تزكية النفس وصلاح الأسرة
أكد الدكتور علي جمعة أن رسول الله ﷺ بدأ دعوته في نطاق محدود، فدعا إلى الله سرًّا في البداية، ثم أنذر عشيرته الأقربين، قبل أن تتسع دائرة البلاغ والدعوة شيئًا فشيئًا، موضحًا أن عدد من آمنوا به في مكة كان قليلًا مقارنة بما تحقق بعد ذلك من انتشار الإسلام واتساع رقعته.
وقال الدكتور علي جمعة عبر منصة وزارة الأوقاف : إن النبي ﷺ، بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، صبر على بناء الجماعة المؤمنة وتربية الصحابة وإرساء أسس المجتمع الإسلامي، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، ووصل الأمر إلى أن شهد معه حجة الوداع جمعٌ عظيم من المسلمين، في صورة تعكس ثمرة الصبر والثبات وطول النفس في الدعوة والإصلاح.
وأوضح عضو هيئة كبار العلماء أن رسول الله ﷺ يقدم للأمة نموذجًا عمليًا في كيفية بناء الأجيال، وكيفية الصبر على التربية والبناء، مؤكدًا أن السيرة النبوية تعلم المسلمين كيف يمكن أن يتحول الانكسار إلى انتصار، وكيف لا يستسلم الإنسان للإحباط إذا طال الطريق أو تأخر ظهور النتائج، بل يبدأ من جديد، ويعمل بما يقدر عليه، ويتحمل مسؤوليته في الدائرة التي أقامه الله فيها.
وأشار "جمعة" إلى أن هذا المعنى يتجلى في قول النبي ﷺ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ. وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ. وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ. أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رواه مسلم].
وأوضح الدكتور علي جمعة أن المنهج النبوي لا يعلّم المسلم الانسحاب من ميادين الإصلاح، ولا يدفعه إلى الانشغال بالناس مع إهمال نفسه وأهله، وإنما يرسخ مبدأ ترتيب المسؤوليات، بحيث يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه أولًا، ثم بأهله، ثم بدائرته الأقرب، قبل أن يمتد أثره إلى المجتمع كله على قدر علمه وصدقه وصبره.
وأكد أن الوحي الشريف والسيرة النبوية يقدمان مفهومًا متكاملًا للإصلاح، يقوم على التدرج وليس القفز في الفراغ، موضحًا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتزكية الذات ورعاية الأسرة وبناء الإنسان من الداخل، لأن التغيير العميق يحتاج إلى نفس طويل، يشبه سنوات التيه التي مرت بها الأمم، وإلى صبر يشبه صبر النبي ﷺ في مكة خلال سنوات الدعوة الأولى.
وأكد علي جمعة أن من استقام في «دائرة المستطاع»، وأحسن القيام بمسؤوليته تجاه من حوله، وصدق في عمله وصبر على طريقه، فإن الله يفتح به القلوب ويوسع أثره بين الناس، ليصبح الفرد الصادق لبنةً في بناء أمة كاملة تقوم على القيم والإيمان والعمل الصالح.



