ما حكم الشرع في الدعاء على الأبناء ؟ .. أزهري يوضح
أثار مقطع متداول لسيدة تدعو على ابنها وزوجته أمام الكعبة المشرفة موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين متعاطف مع الألم الإنساني، وغاضب من توظيف أقدس بقاع الأرض في خصومة أسرية.
وفي هذا السياق علق الشيخ أحمد خليل، من علماء الأزهر الشريف، مؤكدا أن الواقعة تحتاج إلى ضبط علمي وشرعي يضع الأمور في نصابها الصحيح، خاصة حين يكون الدعاء في مكان له حرمة وقدسية عظيمة في الإسلام.
وأوضح الشيخ أحمد خليل أن الإسلام لم ينظر إلى الدعاء بوصفه تفريغًا للغضب أو أداة للانتقام، بل عبادة راقية لها آداب وحدود، مشيرا إلى أن الله سبحانه وتعالى علّم عباده حسن الخطاب، فقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، فإذا كان هذا أدب الخطاب مع البشر، فكيف بالخطاب مع الله عز وجل، الذي ترفع إليه الأكف بالرجاء لا بالقسوة؟
وأضاف أحمد خليل أن النبي ﷺ قرر قاعدة عظيمة حين قال: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، موضحًا أن الرفق لا ينفصل عن الدعاء، وأن القلوب المنكسرة التي تلجأ إلى الله بصدق وتجرد هي الأقرب للإجابة، لا القلوب المشحونة بالغضب والرغبة في الإيذاء، حتى وإن كانت صاحبة مظلمة.
إصلاح النفوس وردها إلى طريق الهداية
وأوضح عالم الأزهر أن الشريعة الإسلامية راعت حال المظلوم، وأجازت له الدعاء، لكنها في الوقت ذاته لم تغلق باب السمو الأخلاقي، بل رفعت منزلة العفو والصبر، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، مؤكدا أن الإسلام لا يربي أتباعه على الانتقام بأن يقوم البعض بالدعاء على الأبناء وغيرهم ، وإنما يقوم الإسلام على إصلاح النفوس وردها إلى طريق الهداية.
أكد الشيخ أحمد خليل أن الإنسان يجب أن تدعي له بالهداية كما علمنا سيدنا النبي ﷺ، موضحا أن النبي ﷺ نهى صراحة عن الدعاء على الأبناء أو النفس أو المال، حيث قال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم»، مبينًا أن هذا النهي يهدف إلى توجيه الإنسان لدعاء صالح وبناء بدل الانتقام أو القسوة.
وأضاف الشيخ أحمد خليل أن القلب المشحون بالغضب لا يصلح للدعاء المقبول، وأن تحويل الدعاء إلى طلب الهداية والصلاح للأبناء هو الطريق الأمثل، مستشهدا أيضا بقول النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، موضحا أن السيطرة على النفس وتحويل الغضب إلى دعاء بالهداية تقوي الروابط الأسرية وتفتح أبواب الرحمة والبركة، وتحقق الخير في الدنيا والآخرة.
وأشارالشيخ أحمد خليل إلى أن الكعبة المشرفة لم تكن يوما ساحة خصومات حتى ندعي على أسرتنا بها, ولا منبرا لتصفية الخلافات الأسرية، بل جعلها الله موطنا للتوحيد والتوبة والرجوع الصادق إليه، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، أي قيامًا لدينهم وأخلاقهم واستقامتهم، لا لانفجار الأزمات الداخلية على أعتابها.
وأكد الشيخ أحمد خليل أن أخطر ما في مثل هذه الوقائع ليس المشهد ذاته، بل الرسالة الخاطئة التي قد تصل للناس، وكأن الدعاء يتحول من عبادة إلى سلاح هدم، مشددا على أن الدعاء بالهداية ولمّ الشمل وإصلاح الحال هو الأقرب لروح الإسلام ومقاصده، حتى في أشد لحظات الألم.
وأكد أحمد خليل على أن الشريعة جاءت لجبر القلوب لا لكسرها، ولإطفاء نيران الفتن لا لإشعالها، داعيا الله أن يؤلف بين القلوب، وأن يصلح الأحوال، وأن يرفع البلاء عن كل أسرة مسلمة، وأن يجعل بيوتنا قائمة على الرحمة لا الخصام، وعلى الدعاء الصادق لا اللعن.



