عاجل

بص في ورقتك.. هل يقتصر التجسس على البحث عن العورات فقط ؟

التجسس
التجسس

التجسس في الشريعة الإسلامية لا يقتصر على البحث عن العورات والمعايب، بل يتسع ليشمل كل تصرف يؤدي إلى كشف أسرار الغير دون إذنهم، سواء بالنظر أو الاستماع أو التتبع. قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، وهي آية عامة تنهى عن أي محاولة لاختراق خصوصيات الناس.

وتقول دار الإفتاء إن من صور التجسس: النظر في رسائل الغير أو أوراقهم أو ما يخصهم دون إذن. وقد جاء في الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَظَرَ في كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ في النَّارِ» رواه أبو داود.


وهذا دليل على أن اطلاع الإنسان على مكتوبات غيره أو أسراره الخاصة بغير إذنه محرم شرعًا، لما فيه من خيانة، وانتهاك لحرمة المسلم وكرامته.

أوضح الإمام ابن الأثير أن معنى الحديث تمثيل للتحذير، أي كما يحذر المسلم النار فليحذر هذا الفعل، لأنه قد يوجب على صاحبه العقوبة.
كما قال الإمام النفراوي المالكي: إن غض البصر لا يختص بالنساء فقط، بل يشمل كل ما يكره صاحبه اطلاع غيره عليه، سواء كان كتابًا أو غيره.
وقال الإمام الرملي الشافعي: لو وُجد كتاب فيه سر، فلا يجوز حتى للوارث أو من وُجد عنده أن يقرأه، إذ الأصل صيانة سر الكاتب وعدم إفشائه.

وأشارت دار الإفتاء إلى أن التجسس لا يقف عند مجرد فعل فردي، بل يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية، ونشر العداوات، وفقدان الثقة بين الناس. لذلك اعتبر الإسلام صيانة الأسرار والخصوصيات من مقاصد الشريعة في حفظ العرض والكرامة.

إذن، التجسس في الإسلام محرم بجميع صوره، سواء تعلق بتتبع العورات أو النظر في مكتوبات الناس ورسائلهم أو إفشاء أسرارهم دون إذنهم. وهو كبيرة من الكبائر تهدد استقرار المجتمع، وتوجب على المسلم أن يغض بصره، ويحفظ لغيره حق الخصوصية.

ضوابط صارمة لاحترام خصوصية الآخرين

أكدت دار الإفتاء المصرية أن الإسلام حثَّ على احترام خصوصية الأفراد، وجعل صيانة عورات الناس وسترهـم من القيم العليا التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون المجتمع من التفكك، مشيرة إلى أن هذا يدخل ضمن مقاصد الشريعة الكبرى في حفظ العرض.

ضوابط احترام خصوصية الآخرين

وأوضحت الدار، في فتوى لها، أن الشرع الشريف أمر بالستر وغض الطرف عن عثرات الناس وعيوبهم وعدم تتبع عوراتهم أو التشهير بهم، لما في ذلك من حماية للأفراد ومنحهم فرصة للتوبة والإصلاح، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه.

وأضافت الفتوى أن كشف خصوصيات الآخرين أو انتهاك حرمتهم يُعدّ من الكبائر التي حذَّر منها الشرع، حيث ورد في رواية أخرى: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ»، وهو ما يؤكد أن احترام الخصوصية ليس سلوكًا أخلاقيًّا فحسب، بل واجب شرعي له جزاؤه في الدنيا والآخرة.

وبيَّنت دار الإفتاء أن حفظ خصوصية الجسد والصورة والهيئة يدخل ضمن ما يعرف بأسباب الإباحة، أي أنه لا يجوز الاطلاع أو الكشف عنها إلا لضرورة معتبرة كسلطة قانونية أو إجراء مشروع، مشددة على أن الشريعة الإسلامية شددت في هذا الأمر حتى جعلت من آداب الطريق العام غض البصر وكف الأذى.

واستشهدت الفتوى بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ» فلما قال الصحابة: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ»، متفق عليه.

وأشارت الدار إلى أن الاطلاع على خصوصيات الناس دون علمهم يخرج عن حد غض البصر إلى استراق النظر، وهو ما يُعَدّ انتهاكًا صريحًا لحقٍ أصيل كفله الشرع الحنيف للإنسان.

وفي ختام فتواها، أكدت دار الإفتاء أن الإسلام جعل احترام الخصوصية قيمة أخلاقية وتشريعًا دينيًّا يضمن استقرار المجتمع ويعزز الثقة بين أفراده، لافتة إلى أن أي تجاوز في هذا الجانب يُعد مخالفة شرعية وأخلاقية تستوجب التوبة والرجوع إلى الله.

تم نسخ الرابط