تجنيد الأطفال وسرقة المليارات.. كيف صنعت كوريا الشمالية جيشها السيبراني؟
تحولت كوريا الشمالية إلى إحدى القوى البارزة في مجال القرصنة الإلكترونية، بعدما نجح نظام الزعيم كيم جونغ أون في بناء منظومة متكاملة لتجنيد وتدريب آلاف المتسللين، عبر برنامج حكومي يستهدف اكتشاف الأطفال الأكثر ذكاءً وتوجيههم منذ سن مبكرة للعمل في مجال الأمن السيبراني
ووفقًا لما أوردته وكالة «رويترز»، تعتمد بيونغ يانغ على استراتيجية طويلة الأمد لاكتشاف المواهب التقنية وصقل قدراتها، مستفيدة من هذه الكوادر في تنفيذ عمليات اختراق وسرقة إلكترونية تدر عوائد مالية ضخمة، كان أحدثها اختراق منصة «باينانس» للعملات المشفرة، الذي أسفر عن سرقة 6.3 مليار دولار.
كيف صنعت كوريا الشمالية جيشها السيبراني؟
وتقدم السلطات الكورية الشمالية امتيازات مادية واجتماعية للقراصنة المتميزين، تشمل شققًا واسعة في العاصمة ومكافآت كبيرة بالعملات الأجنبية، إلى جانب فرص السفر إلى الخارج والانضمام إلى الحزب الحاكم، مقابل العمل لساعات طويلة والخضوع لضغوط مستمرة لتحقيق أهداف مالية محددة.
وقال كيم هيونغ كوان، المنشق الكوري الشمالي الذي سبق أن درّب قراصنة لصالح الدولة قبل فراره إلى كوريا الجنوبية عام 2004، إن هؤلاء المتسللين يمثلون أحد الأسلحة السرية للزعيم كيم جونغ أون، موضحًا أن السلطات لا تكتفي بتدريب الراغبين في العمل بهذا المجال، بل تبحث بصورة منهجية عن الأطفال الأكثر ذكاءً لإعدادهم لتنفيذ عمليات إلكترونية تخدم أهداف الدولة.

وأضاف أن بيونغ يانغ تتبع نهجًا مختلفًا عن الدول الأخرى في إعداد القراصنة، إذ لا يكون اختيار هذا المسار بالضرورة قرارًا شخصيًا للطلاب، وإنما جزءًا من منظومة حكومية تستثمر في المواهب الشابة وتوجهها وفق احتياجاتها.
برنامج حكومي لاكتشاف القراصنة منذ الطفولة
وبحسب كيم ومنشقين آخرين سبق لهم العمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات، تبدأ عملية اختيار المرشحين عندما تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عامًا، إذ تنتقي السلطات سنويًا ما بين 150 و200 طالب من المتفوقين في المدارس الإعدادية لدراسة علوم الكمبيوتر.
وعند بلوغهم 17 عامًا، يرسل الطلاب الأكثر تميزًا إلى أفضل الجامعات في البلاد، حيث يخضعون لمراحل إضافية من التقييم والاختيار، قبل أن يلتحق عدد محدود منهم بوحدة الأمن السيبراني التابعة للجيش.
ويتلقى المختارون تدريبات متخصصة في بروتوكولات العملات المشفرة والهندسة العكسية للأجهزة الأجنبية، إلى جانب الرياضيات المتقدمة واللغات الأجنبية، أما الذين لا ينضمون إلى وحدات القرصنة، فيوجه بعضهم إلى تطوير البرامج والتطبيقات والعمل عن بُعد لصالح شركات غربية.
وقال ليم جونغين، الأستاذ الفخري بكلية الأمن السيبراني في جامعة كوريا، إن بيونغ يانغ توجه أفضل مواهبها إلى البرامج النووية والسيبرانية، وتوفر لهم مستقبلًا مهنيًا مميزًا، على عكس كوريا الجنوبية التي يتجه فيها كثير من المتفوقين إلى الطب والمهن التقليدية المرموقة.
وتعود جذور البرنامج الإلكتروني الكوري الشمالي إلى عام 1998، لكنه اكتسب أهمية أكبر بعد وصول كيم جونغ أون إلى السلطة، إذ أعلنت بيونغ يانغ عام 2013 أن الحرب الإلكترونية، إلى جانب الأسلحة النووية والصواريخ، تمثل أحد المحاور الرئيسية لقدراتها الهجومية.
مكافآت مالية وشقق فاخرة لاستقطاب القراصنة
وتشير المعلومات التي نقلتها «رويترز» إلى أن القراصنة الناجحين قد يحصلون على ما يصل إلى 30% من عائدات عمليات السرقة التي تنفذها وحداتهم بالعملات الأجنبية، فضلًا عن إمكانية منحهم شققًا في بيونغ يانغ تصل مساحتها إلى 132 مترًا مربعًا، مع السماح لوالديهم بالإقامة فيها.
وتتضمن الامتيازات أيضًا فرص السفر إلى دول حليفة، مثل الصين، حيث يتمتعون بحرية أكبر في استخدام الإنترنت، إلى جانب إمكانية الحصول على عضوية الحزب الحاكم والزواج من عائلات مرموقة.
وتقدّر المخابرات الوطنية في كوريا الجنوبية أن عدد العاملين في عمليات الحرب الإلكترونية الكورية الشمالية يبلغ نحو 8400 شخص، فيما تتجنب وسائل الإعلام الرسمية الاحتفاء العلني بإنجازات القراصنة، وتكتفي بإبراز الطلاب الموهوبين في البرمجة والمشاركين في تطوير القدرات التقنية للبلاد.
مجموعة لازاروس وراء اختراق منصات العملات المشفرة
وأعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي وشركة «باينانس» مسؤولية كوريا الشمالية عن اختراق المنصة، بينما نفت بيونغ يانغ هذه الاتهامات. كما نسبت شركات متخصصة في تحليل تقنية البلوك تشين العملية إلى مجموعة القرصنة الكورية الشمالية المعروفة باسم «TraderTraitor».
وترتبط هذه المجموعة، وفقًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، بمجموعة «لازاروس»، المعروفة أيضًا باسم «APT38»، التي اتهمتها الولايات المتحدة عام 2022 بسرقة مئات الملايين من الدولارات من العملات المشفرة عبر شبكة «رونين بلوك تشين».
وكشفت «باينانس» أن المتسللين استخدموا مقابلة عمل وهمية وبرنامجًا خبيثًا مخفيًا داخل إعلان لاختراق أجهزة موظفي الشركة، قبل الاستعانة بأداة ذكاء اصطناعي داخلية للسيطرة على الأنظمة.
وأشار تقرير أممي صدر عام 2025 إلى أن مجموعة «TraderTraitor» حصلت على حسابات في منصتي «ChatGPT» و«DeepSeek».
كما تستخدم مجموعات من العاملين التقنيين الكوريين الشماليين أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة البرامج وتعديل السير الذاتية وإنشاء هويات ووثائق مزيفة، بهدف الحصول على وظائف عن بُعد داخل شركات غربية وتحويل عائداتها المالية إلى النظام.
الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة للقرصنة الكورية الشمالية
وقال أليك زيبريك، المدير الأول للخدمات العالمية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بشركة «Chainalysis»، إن الدعم الحكومي يمنح القراصنة الكوريين الشماليين قدرة أكبر على مواصلة الهجمات دون مواجهة العواقب المعتادة، موضحًا أن ارتباطهم بالنظام يدفعهم إلى الاستمرار في العمليات حتى بعد الإخفاقات.
وفي المقابل، تكشف شهادات عاملين سابقين، نقلتها مجموعة «PSCORE» الحقوقية، عن ظروف عمل قاسية تشمل العمل لأكثر من 10 ساعات يوميًا، والإقامة في أماكن ضيقة، والخضوع للمراقبة المستمرة، فضلًا عن الضغوط المرتبطة بتحقيق أهداف شهرية محددة بالدولار، والتعرض للإذلال والعقوبات عند الإخفاق في الوفاء بها.



