
المهمة ٦٦٤ والبريمو!
بعد أن استقر رأينا أنا وعماد على ضرورة الاستعانة برفّاعي محترف للتعامل مع الثعبان الذي ترك آثاره في شقة زواجي بالدقي كان علينا أن نبحث عن الرجل المناسب لكن دون أن نقع فريسة للنصب أو المبالغة في الأجر خصوصًا أننا كنا نجهل تمامًا أسعار هذه النوعية من الخدمات إن جاز وصفها بالخدمات أصلًا !
وهنا تفتّق ذهننا عن فكرة عبقرية أو هكذا تصورنا وقتها
فلماذا لا نذهب إلى منطقة جبل أبو رواش باعتبارنا مبعوثين عسكريين في مهمة خاصة ونبحث عن رفّاعي لإنقاذ منزل رئيس مباحث أمن الدولة من ثعبان تسلل إليه ؟!
كانت الحيلة في تقديرنا كفيلة بضرب عدة عصافير بحجر واحد أولها أن يأخذ الرفّاعي المهمة بمنتهى الجدية وثانيها أن يبذل قصارى جهده للعثور على الثعبان وثالثها، وربما أهمها في حساباتنا وقتذاك ألا يجرؤ على مطالبتنا بأجر مبالغ فيه!
ولم نكن بحاجة إلى كثير من التجهيزات لإضفاء المصداقية على هذه المسرحية فقد كنا نستقل سيارتي الجيب الشيروكي الزيتية اللون التي كانت تشبه سيارات الجيش فضلًا عن امتلاكنا كارنيهات عسكرية حقيقية وإن كانت لا تمنحنا بالطبع أي صفة قيادية فنحن في نهاية الأمر مجرد مجندين !!
لكن بقي العنصر الأهم في الخطة: الاتصالات العسكرية!
وهنا جاء دور ياسر بوللي، مساعدي الشخصي الذي اتصلنا به قبل دخول المنطقة واتفقنا معه على أن يتواصل معنا عبر الهاتف مستغلين مكبر الصوت المثبت في السيارة والذي كان يحوّل المكالمات الهاتفية إلى صوت مسموع في أرجائها ؛ ولكي تكتمل الصورة كان على ياسر أن يسبق رسائله بصوت «تشششششش» محاولًا تقليد صوت أجهزة اللاسلكي العسكرية!
وهكذا أصبح لدينا سيارة عسكرية المظهر وكارنيهات جيش وشبكة اتصالات لاسلكية وهمية ومهمة سرية تتعلق بثعبان في منزل شخصية أمنية رفيعة!
ولم يكن ينقصنا سوى الرفّاعي!
وصلنا إلى جبل أبو رواش وبدأنا نسأل عن أهل الخبرة في التعامل مع الثعابين حتى قادتنا الأقدار إلى رجل كبير في السن تبدو عليه علامات الوقار وكان واضحًا من تعامل المحيطين به أنه صاحب مقام ومكانة وأن كلمته مسموعة بين أهل المنطقة.
في البداية لم يبدِ الرجل اهتمامًا يُذكر بنا لكننا قررنا استخدام الورقة الرابحة!
أخرجنا كارنيهات الجيش أمامه بحركة خاطفة ومدروسة تكفي ليلمح صفتنا العسكرية ولا تمنحه الوقت الكافي لاكتشاف أننا مجرد مجندين ؛ وكان مفعول الحركة فوريًا!
تبدلت ملامح الرجل وأخذ يتعامل معنا بقدر ملحوظ من الاحترام والاهتمام خصوصًا بعدما عرف طبيعة المهمة التي جئنا من أجلها.
ولم يتردد طويلًا قبل أن يرشح لنا رجلًا في الثلاثينيات من عمره قدمه إلينا بعبارة حاسمة وكأنها شهادة اعتماد لا تقبل المناقشة:
«ده البريمو !!»
والبريمو لمن لا يعرف لقب لا يُمنح عادة إلا لصاحب المكانة الأولى في مجاله أو هكذا فهمنا من طريقة تقديم الرجل له !!
لكن الغريب أن صاحبنا البريمو لم يبدُ سعيدًا بهذا التتويج المفاجئ ولا متحمسًا لترشيحه لهذه المهمة بالذات !! بل بدا وكأنه كان يتمنى لو أن كبير المنطقة قد احتفظ برأيه في كفاءته لنفسه!
على أي حال لم نمنحه وقتًا طويلًا للتفكير فاصطحبناه إلى السيارة وانطلقنا عائدين إلى الدقي.
وهنا بدأت ألاحظ أمرًا غريبًا!
فالبريمو الذي قُدم إلينا باعتباره فارس هذه المهنة وأستاذها لم يكن يحمل معه أي أدوات من تلك التي اعتدنا رؤيتها مع مروّضي الثعابين لا نايًا ولا أي شيء يوحي بأنه ذاهب إلى مواجهة ثعبان شرس!
والأغرب من ذلك أن وجهه كان شاحبًا وعيناه لا توحيان بشجاعة رجل اعتاد اقتحام أوكار الثعابين بل بشخص وجد نفسه فجأة في ورطة لا يعرف كيف يخرج منها!
وفي تلك الأثناء، كان ياسر بوللي قد تقمص دوره العسكري إلى درجة الإتقان وبدأت الاتصالات تتوالى عبر مكبر الصوت في السيارة.
«تششششششش… ٦٦٤ وصلت فين؟»
فيرد عماد بمنتهى الثبات والجدية:
«من عدمه في الطريق!!»
ثم تمر دقائق ويعود ياسر من جديد:
«تششششششش… ٦٦٤ وصلت فين؟»
فيرد عماد بالعبارة نفسها!
أما البريمو، فكان يزداد شحوبًا مع كل «تشششششش» تنطلق من سماعات السيارة!
كنت أراقبه بطرف عيني وأكاد أرى علامات القلق تتضاعف على وجهه بينما كنا أنا وعماد نحافظ على وقارنا العسكري المصطنع وكأننا نقود بالفعل عملية أمنية بالغة الخطورة!
ولعل أطرف ما في المشهد أن الرجل الذي جئنا به ليخلّصنا من خوفنا من الثعبان بدا وكأنه أصبح أكثر خوفًا منا ومن المهمة نفسها!
ولم أكن أعرف وقتها أيهما كان يشغل تفكيره أكثر: الثعبان الذي ينتظره في الدقي أم تلك الاتصالات العسكرية الغامضة التي لا تتوقف عن سؤاله عن موقع السيارة!
وهكذا مضت بنا الجيب الشيروكي الزيتية تحمل مجندين يتقمصان دور مبعوثين عسكريين ورفّاعيًا يحمل لقب «البريمو» دون أن تبدو عليه أي علامات اعتزاز به بينما كان ياسر بوللي يدير من بعيد شبكة اتصالاتنا الوهمية بكل حماس!
كان كل شيء يسير وفق الخطة على الأقل من وجهة نظرنا
أما البريمو، فكان وجهه يروي حكاية أخرى تمامًا!
ولم نكن قد وصلنا بعد إلى الشقة ولا رأينا الثعبان ولا عرفنا إن كان البريمو يستحق لقبه فعلًا!
وللحديث بقية الأسبوع القادم