سؤال لا ينبغي تجاهله، ورسالة تستحق أن تصل إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وأمين مجلس الجامعات الأهلية: على أي أساس يتم اختيار أعضاء مجالس أمناء الجامعات الأهلية؟ وما المعايير الحقيقية التي تحكم هذه الاختيارات؟ وهل أصبحت الشهرة الإعلامية، أو العضوية البرلمانية، أو النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، أو رئاسة الشركات، مؤهلات كافية للجلوس في مجالس يفترض أنها مسؤولة عن توجيه مؤسسات علمية وصناعة مستقبل أجيال كاملة؟ وأين مكان العلماء وأساتذة الجامعات وأصحاب الخبرات الأكاديمية والتربوية المتخصصة من هذه الاختيارات؟
إن القضية ليست اعتراضًا على أشخاص بأعينهم، ولا انتقاصًا من قيمة الشخصيات العامة أو أصحاب النجاحات في مجالاتهم، وإنما هي دفاع عن مبدأ يجب ألا يكون محل خلاف: الجامعة مؤسسة علمية قبل أن تكون أي شيء آخر، ومجالس أمنائها يجب أن تضم من يمتلكون القدرة على فهم رسالتها وتطوير أدائها وحماية مستقبلها، لا أن تتحول عضويتها إلى وجاهة اجتماعية أو تكريم معنوي أو مساحة لتبادل المجاملات.
يا وزير التعليم العالي، ويا أمين مجلس الجامعات الأهلية، هل يكفي أن يكون الشخص مشهورًا حتى يصبح مؤهلًا للمشاركة في إدارة مؤسسة تعليمية؟ وهل مجرد كونه عضوًا بمجلس النواب أو الشيوخ، أو شخصية إعلامية معروفة، أو رجل أعمال، أو رئيس مجلس إدارة شركة، يمنحه بالضرورة الخبرة المطلوبة في قضايا التعليم الجامعي والبحث العلمي وتطوير المناهج والبرامج الأكاديمية؟
بأي منطق يمكن أن تتساوى الشهرة مع التخصص، والعلاقات مع الخبرة، والمكانة الاجتماعية مع الكفاءة العلمية؟ وهل أصبحت المناصب الجامعية مجالس للمكانة والظهور بدلًا من أن تكون ساحات للتفكير والتخطيط ووضع الرؤى العلمية؟
نحن لا نقلل من أهمية الاستعانة برجال الصناعة والاقتصاد والإدارة والإعلام والشخصيات العامة، فلكل منهم دوره وخبرته التي يمكن أن تثري العمل الجامعي، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الصفات وحدها كافية للاختيار، دون النظر إلى مدى إلمام المرشح بطبيعة التعليم الجامعي أو قدرته على الإضافة الحقيقية. فليس كل ناجح في التجارة أو السياسة أو الإعلام قادرًا بالضرورة على المشاركة في رسم السياسات التعليمية، كما أن امتلاك اسم معروف لا يعني امتلاك رؤية علمية.
إن مجالس أمناء الجامعات ليست مجالس شرفية، ولا ينبغي أن تكون مكافأة لمن شغل منصبًا أو حقق شهرة أو امتلك علاقات واسعة. إنها مسؤولية وطنية تتطلب علمًا وخبرة ورؤية وقدرة على اتخاذ القرار. ومن غير المقبول أن نتحدث ليل نهار عن تطوير التعليم والارتقاء بالجامعات المصرية، بينما لا نضع معايير الاختيار الواضحة في مقدمة أولوياتنا.
الأولى أن تضم هذه المجالس علماء متخصصين، وأساتذة جامعات مشهودًا لهم بالخبرة والإنجاز، وخبراء في جودة التعليم والبحث العلمي والإدارة الجامعية، إلى جانب متخصصين في سوق العمل والصناعة والتكنولوجيا، بحيث يكون لكل عضو دور حقيقي يتناسب مع تخصصه، وتكون مشاركته إضافة للمؤسسة وليس مجرد اسم يضاف إلى قائمة الأعضاء.
والأكثر أهمية أن تكون هناك معايير معلنة وشفافة للاختيار، تشمل المؤهلات العلمية، والخبرات العملية، والسجل المهني، والإنجازات، والقدرة على وضع خطط قابلة للتنفيذ، مع تقييم دوري لأداء أعضاء مجالس الأمناء ومدى مساهمتهم في تطوير الجامعات. فالمناصب العامة لا ينبغي أن تكون امتيازات بلا مساءلة، والعضوية التي لا تضيف إلى المؤسسة لا تحقق الهدف من وجودها.
إن مصر تمتلك آلاف العلماء وأساتذة الجامعات والخبراء في مختلف التخصصات، ممن أفنوا أعمارهم في البحث والتدريس وخدمة المؤسسات العلمية، ومن حق هؤلاء أن تكون لهم الأولوية في المشاركة في صناعة مستقبل التعليم، بدلًا من أن يشعروا بأن الشهرة والعلاقات قد تفتح أبوابًا لا تفتحها سنوات العلم والخبرة والإنجاز.
كيف نطالب أعضاء هيئة التدريس بتطوير أدائهم، ونطالب الباحثين بالابتكار، ونحاسب الجامعات على جودة مخرجاتها، بينما لا نضع الكفاءة والتخصص في مقدمة معايير اختيار من يشاركون في توجيه هذه المؤسسات؟ وكيف نريد جامعة تنافس عالميًا إذا لم تكن فلسفة اختيار مجالس أمنائها قائمة على العلم والخبرة والاستحقاق؟
إن إصلاح التعليم لا يبدأ من بناء الجامعات وتشييد المباني الحديثة وافتتاح الكليات الجديدة فقط، وإنما يبدأ من اختيار العقول التي تدير هذه المؤسسات، ومنح الفرصة لأصحاب الكفاءة الحقيقية، وإبعاد أي اعتبارات لا علاقة لها بمصلحة التعليم. فالجامعة التي تصنع المستقبل لا يمكن أن تُدار بعقلية المجاملات، ولا أن تكون عضوية مجالس أمنائها جائزة للشهرة أو النفوذ.
رسالتنا واضحة: نريد مراجعة جادة لمعايير اختيار مجالس أمناء الجامعات الأهلية، ونريد إعلانًا واضحًا للأسس التي يتم الاختيار وفقًا لها، ونريد أن تكون الأولوية للعلماء والخبراء وأصحاب التجارب التعليمية الناجحة، مع الاستفادة من بقية الخبرات في إطار متوازن يخدم الجامعة ورسالتها.
فيا سادة، التعليم ليس وجاهة اجتماعية، والجامعة ليست ناديًا لأصحاب المناصب، ومجلس الأمناء ليس قائمة أسماء لامعة. إنما هو مسؤولية تتطلب الكفاءة قبل الشهرة، والعلم قبل العلاقات، والخبرة قبل المجاملة.
فإذا كنا جادين في إصلاح التعليم، فلنبدأ بإصلاح معايير اختيار من يتولون مسؤولية توجيهه.. لأن مستقبل الجامعات المصرية أكبر من أن يُترك للمجاملات!