شادي الزيات: إعادة هيكلة شركات الدولة تتطلب الانتقال من محاسبة المصروفات إلى قياس القيمة الاقتصادية المضافة
أكد الدكتور شادي الزيات، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن إصلاح وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة والهيئات الاقتصادية يتطلبان تطويرًا جوهريًا في فلسفة تقييم الأداء الاقتصادي، بحيث لا تقتصر المحاسبة على حجم الإيرادات والمصروفات أو صافي الأرباح والخسائر، وإنما تمتد إلى قياس القيمة الاقتصادية المضافة التي يحققها كل كيان، ومدى كفاءة استخدام رأس المال والأصول والموارد المتاحة.
وأوضح الزيات أن أحد التحديات المهمة في إدارة الكيانات الاقتصادية يتمثل في ضرورة التمييز بين الربحية المحاسبية والكفاءة الاقتصادية، إذ قد تحقق بعض الشركات إيرادات مرتفعة دون أن تحقق عائدًا مناسبًا مقارنة بحجم الأصول ورأس المال المستخدم، بينما قد تمتلك كيانات أخرى فرصًا كبيرة للنمو لكنها تحتاج إلى تطوير نموذج التشغيل أو معالجة الاختلالات التمويلية والإدارية.
وأضاف أن عملية إعادة الهيكلة يجب أن تبدأ بتشخيص اقتصادي متكامل لكل شركة، يشمل تحليل هيكل التكاليف، ومصادر الإيرادات، والالتزامات المالية، وكفاءة رأس المال العامل، ومعدلات دوران الأصول والمخزون، إلى جانب تقييم القدرة على توليد تدفقات نقدية تشغيلية، باعتبارها مؤشرات أكثر عمقًا في قياس قدرة الكيان على الاستمرار والنمو.
وأشار إلى أهمية الانتقال نحو نماذج إدارة تعتمد على التخطيط المالي طويل الأجل، وإدارة المخاطر، وتحديد العائد المتوقع من الاستثمارات الجديدة، وعدم التوسع في ضخ التمويلات أو الإنفاق الرأسمالي قبل التأكد من الجدوى الاقتصادية وقدرة المشروعات على تحقيق عوائد تتناسب مع تكلفتها ومخاطرها.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن تعظيم قيمة الأصول العامة يتطلب التعامل مع كل أصل وفقًا لخصائصه الاقتصادية والفرص الاستثمارية المرتبطة به، فهناك أصول يمكن رفع قيمتها من خلال إعادة التشغيل والتحديث التكنولوجي، وأخرى يمكن تعظيم العائد منها عبر تغيير الاستخدام أو تطوير النشاط، وأصول أخرى قد يكون الاستثمار المشترك فيها أكثر كفاءة من إدارتها بصورة منفردة.
وأكد أن التحول الرقمي وتطبيق نظم الإدارة القائمة على البيانات يمثلان عنصرًا حاسمًا في عملية الإصلاح، إذ يتيحان متابعة الأداء التشغيلي والمالي بصورة مستمرة، وقياس الانحرافات عن المستهدفات، وتحديد نقاط الهدر، وتحسين إدارة المخزون والمشتريات وسلاسل الإمداد، بما ينعكس على تكلفة الإنتاج وجودة الخدمات.
وأضاف أن من الضروري وضع منظومة مؤشرات أداء موحدة مع مراعاة اختلاف طبيعة الأنشطة الاقتصادية، بحيث يتم تقييم الشركات الصناعية وفق الإنتاجية والطاقة التشغيلية والتكلفة والجودة، والكيانات الاستثمارية وفق العائد على رأس المال والأصول، والهيئات الخدمية وفق كفاءة تقديم الخدمة والتكلفة ومستوى الجودة، مع عدم الخلط بين الأهداف التجارية والالتزامات العامة.
واختتم الدكتور شادي الزيات تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة لن يقاس بعدد الشركات التي يتم دمجها أو تغيير هياكلها الإدارية، وإنما بحجم التحسن الفعلي في كفاءتها الاقتصادية والتشغيلية، وقدرتها على تحقيق عائد مستدام من الأصول التي تديرها، مشيرًا إلى أن الهدف النهائي هو بناء نموذج مؤسسي يضمن الاستخدام الأمثل لرأس المال العام، ويعزز الإنتاجية، ويرفع مساهمة هذه الكيانات في النمو الاقتصادي دون خلق أعباء تمويلية جديدة على الدولة.