خلال ستينات القرن الماضي اهتمت الدولة المصرية بتثقيف الطبقة العاملة وتعليمهم وتوعيتهم بالقضايا الاقتصادية والسياسية، لذا أنشأت المؤسسة الثقافية العمالية وأصدرت لها قرارات جمهورية وأسست لها مقرات وفروع في جميع أنحاء الجمهورية حتى تكون قريبة من مواقع العمل والإنتاج، وعبر السنوات كان يتم تطوير المؤسسة فصدرت لها قرارات جمهورية جديدة في أوائل الثمانينات بإنشاء الجامعة العمالية لتشهد تطوراً جديداً في خدمة الطبقة العاملة المصرية والتنظيم النقابي المصري، وقد نجحت هذه المؤسسة عبر السنوات في القيام بأدوارها وتأسيس مدرسة في التثقيف والتدريب لها أدبياتها وقواعدها المهنية.
ورغم ذلك فإن هذه المؤسسة شهدت تحولات في أداءها وتدهوراً في مكانتها منذ عام 2011، مع التراجع العام في أداء التنظيم النقابي المصري الذي آلت إليه تبعية هذه المؤسسة، وهذ التراجع نتج عنه مع الوقت تدهور في كفاءة العنصر البشري وتآكل في الإماكنيات وضبابية الرؤية الاستراتيجية وضياع البوصلة التي توجه عمل هذه المؤسسة.
ومع بدء عهد الجمهورية الجديدة بات واضحاً أن الدولة تستشعر وجود فراغ في تنمية وعي المواطن وهو الفراغ الذي تركه تراجع المؤسسة.الثقافية العمالية، وقد حاولت الدولة ملئ هذا الفراغ من خلال بناء كيانات جديدة كالأكاديمية الوطنية للتدريب المهتمة بتدريب الكوادر الفنية والإدارية المنوط بهم شغل المناصب العليا بالدولة، وكذلك توسيع أنشطة مؤسسات أخرى وخاصة المؤسسة العسكرية للقيام بدور في رفع وعي المواطن حول قضايا الأمن القومي، وكذا أنشطة وزارة الشباب وغيرها.
ورغم الأهمية الكبيرة لهذه الأدوار إلا أن هناك قطاعات كبيرة من القوى البشرية بالدولة تظل بعيدة كل البعد عن برامج التوعية والتثقيف، وهم فئات بالملايين كانت المؤسسة الثقافية العمالية تصل إليهم في شركاتهم ومؤسساتهم لنقل الفكر والوعي والثقافة لهم، وتربط ذلك بأدوارهم الاقتصادية والإنتاجية في خطط الدولة وبرامجها، فضلاً أنها كانت وسيلة للاستماع إليهم ونقل نبضهم إلى متخذي القرار، و ربط القواعد العمالية بممثليهم من القيادات النقابية، وهو الربط الذي صار هشاً للغاية في الفترة الحالية.
هذا الربط مهم للغاية من أجل تنظيم علاقات العمل داخل السوق المصري وبناء ثقافة مؤسسية قائمة على العدالة والانضباط ، وكذلك من أجل تفعيل القوانين المنظمة لعلاقات العمل التي بذلت فيها مؤسسات الدولة جهداً كبيراً من أجل إقرارها، وهو أمر يحتاج لجهود تثقيف وتوعية تخاطب جميع فئات العاملين الذين نتلمس من خلال احتكاكنا بهم غيابهم الكامل عن هذه الجهود وشكهم في جدواها وفي انحيازها لهم. وهو جهد تحاول وزارة العمل المساعدة فيها إلا أن الأمر يحتاج لجهاز أكثر تخصصاً في هذه المهمة.
وبات واضحاً أن المؤسسة التي أنشئت بقرارات جمهورية ولها قانونها الخاص صارت غائبة عن رؤية الدولة، وبعيدة عن خططها، ومن ثم صارت متروكة لمزيد من التآكل والتراجع والإهمال والإدارة غير الاحترافية. والأمر يحتاج إلى خطة إنقاذ وإعادة إحياء حتى تجد هذه المؤسسة لنفسها مكاناً في الرؤية الاستراتيجية للدولة مرة أخرى، خاصة وأن تجربتها الفريدة الرائدة كانت أحد علامات اهتمام الدولة بالطبقة العاملة وأحد ركائز الدبلوماسية الشعبية المصرية التى توطد علاقات مصر بمحيطها العربي والإقليمي.
من أجل ذلك نرجو أن يكون منتدى مصر الذي دعى له السيد الرئيس هو نقطة انطلاق لإعادة إحياء المؤسسة الثقافية العمالية تتوج بقرارات جمهورية جديدة تضع المؤسسة في مكانها اللائق في منظومة بناء وعي وثقافة المواطن المصري