عاجل

يمثل التضليل المتراكم أخطر مهددات الوعي الوطني؛ إذ يتحول عبر الأجيال من مجرد أكاذيب إلى "حقائق بديلة" لا تقبل التشكيك. 
هذا التلقين الممنهج داخل الجماعة الإرهابية يصنع تاريخاً موازياً يزاحم الواقع، ويهدف بالأساس إلى مصادرة الإرث الوطني، وسرقة الأمجاد والتضحيات الحقيقية لصالح سرديات مصنوعة.
ولعل من أكثر صفحات التاريخ المصري الحديث تعرضًا لهذا الالتباس صفحة حرب فلسطين عام 1948؛ تلك الحرب التي خاضها الجيش المصري برجاله وضباطه، ودفع فيها من دماء أبنائه ثمنًا باهظًا، بينما نجحت الدعاية الإخوانية، على امتداد عقود، في صناعة صورة لجماعة مدرس الخط حسن البنا باعتبارها طليعة المجاهدين وحاملة لواء القضية الفلسطينية، حتى كادت البطولة العسكرية تتحول، في بعض الروايات، من ملحمة وطنية إلى منقبة إخوانية.
غير أن التاريخ لا يمنح صكوك البطولة لمن يرفعون الشعارات، ولا يوزع شهادات البراءة على من يحتكرون الحديث باسم الدين والوطن. 
فحين نزيح ستائر الدعاية، ونفتح دفاتر التحقيقات، ونقرأ شهادات رجال الجماعة أنفسهم، تتكشف مفارقة تستوجب المساءلة: بينما كان الجيش المصري يقاتل على أرض فلسطين، كانت أجهزة الأمن في القاهرة تحقق في نشاط تنظيم سري يمتلك الأسلحة والمتفجرات، ويرصد منشآت عسكرية وأهدافًا مدنية داخل البلاد.
وتكشف الوثائق، بعيدًا عن صخب الدعاية الإخوانية، عن وقائع تستوجب إعادة قراءة تلك المرحلة؛ من حقيقة أعداد المتطوعين وسرقة تبرعات فلسطين، إلى التعليمات التنظيمية، ومخططات تخريب مطار ألماظة، والتفجيرات التي شهدتها القاهرة بينما كان الجيش المصري يخوض معاركه على أرض فلسطين.
حيث يتجاوز هذا البحث حدود الدعاية التنظيمية، ليضع الشعارات الإخوانية أمام محاكمة الواقع؛ فالحديث عن تحرير فلسطين لا يعفي التنظيم من الإجابة عن تساؤلات مفصلية: ما حقيقة دوره الميداني هناك؟ وكيف يمكن تفسير ممارسات ذراعه السرية وتفجيراتها داخل مصر؟ إنها مواجهة صريحة مع الفجوة الأخلاقية الفاصلة بين الخطاب الإخواني التعبوي الكاذب والتضحيات الشعبية الحقيقية من جهة، وبين المناورات التنظيمية والحسابات البراجماتية للقيادات الإخوانية من جهة أخرى.

أولًا: عشرة آلاف متطوع .. كذبة حسن البنا الكبرى
في التاسع من أكتوبر عام 1947، أعلن مدرس الخط حسن البنا استعداد جماعته لتقديم عشرة آلاف متطوع للقتال في فلسطين كدفعة أولى ، ثم جرى الترويج لصورة المرشد باعتباره المتطوع الأول؛ في مشهد دعائي امتلك كل مقومات التأثير في وجدان المصريين، واستثمر حرارة التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية، وقداسة الدفاع عن الأرض والمقدسات.
غير أن الأرقام التي حفظتها المصادر الإخوانية نفسها تضع هذا الإعلان أمام اختبار الواقع؛ إذ تتحدث الموسوعة التاريخية للجماعة عن ثلاث كتائب بلغ مجموع أفرادها نحو ستمائة متطوع، نصفهم تقريبًا من الإخوان.
وهكذا تتكشف الفجوة بين الرقم الذي تصدّر الدعاية الإخوانية، وبين الأعداد التي أمكن توثيقها في تلك الكتائب.
ولم تقف الأسئلة عند حدود الأعداد؛ فقد أورد علي عشماوي، أحد رجال التنظيم الخاص السابقين، في كتابه «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين»، رواية عن تعليمات تلقاها الشيخ محمد فرغلي، قائد متطوعي الإخوان في فلسطين، تقضي بعدم دخول المعارك إلا بأوامر تصدر من القاهرة، بزعم وجود مؤامرة دولية تستهدف تصفية المتطوعين.
وبحسب الرواية، أثارت تلك التعليمات غضب بعض المقاتلين، قبل أن يكشف لهم فرغلي أن مصدر الأوامر هو حسن البنا شخصيًا.
وهنا تتجلى المفارقة: عشرة آلاف متطوع في فضاء الإعلان، ونحو ثلاثمائة من الإخوان ضمن الكتائب الثلاث التي تذكرها مصادر الجماعة، وتعليمات من القاهرة تتحكم، وفق شهادة أحد رجال التنظيم، في قرار الاشتباك على أرض المعركة. 
وتبقى رواية إرسال هؤلاء المتطوعين تحت ضغط القواعد، بعد مقاومة طويلة من حسن البنا، علامة فارقة أخرى.
فهل كان إعلان العشرة آلاف مقاتل مجرد وسيلة لامتصاص فوران المشاعر الوطنية والدينية لدى المصريين، بينما انتهى الأمر إلى أعداد أقل كثيرًا من المعلن، وإلى تعليمات تنظيمية تقيد المشاركة في القتال؟
وهل كانت إسرائيل تحتاج إلى أكثر من ذلك؟

ثانيًا: تبرعات فلسطين.. أموال الشعب في خزائن الجماعة
لم تكن فلسطين، في وجدان المصريين، قضية بعيدة خلف الحدود؛ بل كانت جرحًا عربيًا مفتوحًا، استجابت له القلوب قبل النقود، وتدفقت باسمه التبرعات من مواطنين رأوا في كل قرش يقدمونه مساهمة في نصرة المقاتلين وإسناد القضية.
وفي غمرة هذا المد الوطني، نشطت جماعة الإخوان في جمع الأموال باسم الدفاع عن فلسطين، مستثمرة ما تحمله القضية من مكانة راسخة في الوجدان المصري، وكذبة تجهيز وارسال عشرة آلاف مقاتل.  
غير أن شهادة خرجت من قلب الجماعة نفسها فتحت ملفًا بالغ الخطورة حول مصير تلك التبرعات.
فقد اتهم أحمد السكري، أحد مؤسسي الجماعة ووكيلها السابق، حسن البنا بالاستيلاء لحسابه الشخصي على مبلغ يزيد على ثلاثة آلاف جنيه من الأموال التي جُمعت باسم الدفاع عن فلسطين؛ وهو اتهام أوردته مصادر من داخل التراث الإخواني، ونسبت إلى السكري تقديمه لاحقاً في عريضة إلى مصطفى النحاس باشا.
وتزداد دلالة هذه الشهادة مع ما أورده محمود عبد الحليم، أحد مؤرخي الجماعة، عن توجيه أموال جُمعت باسم القضية الفلسطينية إلى أنشطة الدعاية الإخوانية، بدلًا من إرسالها إلى المقاتلين؛ لتتجاور بذلك شهادتان تثيران أسئلة جوهرية حول الفارق بين الغرض المعلن لجمع الأموال وأوجه التصرف فيها.
وهنا يفرض السؤال نفسه: بأي حق يمكن أن تتحول تبرعات المصريين لنصرة فلسطين إلى أموال يُتهم مؤسس الجماعة بالاستيلاء على جانب منها لحسابه الشخصي، بينما يُوجَّه جانب آخر، بحسب شهادة أحد مؤرخيها، لخدمة الدعاية التنظيمية؟ وأين كانت الأمانة التي ائتمن المصريون عليها من جمعوا أموالهم باسم فلسطين؟
فالتبرع الذي يقدمه المواطن من قوت أبنائه نصرةً لفلسطين أمانة، لا رصيدًا مفتوحًا في خزائن التنظيم، ولا تفويضًا مطلقًا لقيادته بالتصرف دون حساب.

ثالثًا: مطار ألماظة.. حين ظهرت الخيانة في أوراق التنظيم الخاص
في الخامس عشر من نوفمبر عام 1948، وبينما كان الجيش المصري يخوض معاركه على أرض فلسطين، قادت واقعة ضبط سيارة جيب بالقاهرة إلى الكشف عن أوراق ومعدات وأسلحة مرتبطة بالتنظيم الخاص لجماعة الإخوان المتأسلمين.
ولم تكن القضية مجرد ضبطية عابرة في سجل الجرائم الجنائية؛ فقد كشفت التحقيقات عن بنية تنظيمية سرية تمتلك أدوات العمل المسلح، وتحتفظ بتقارير ومعلومات عن مواقع ومنشآت حيوية داخل الدولة المصرية.
ومن أخطر ما تكشّف في أوراق القضية ما نقله الصحفي سعيد الشحات عن مذكرات المستشار عصام حسونة، أحد المشاركين في التحقيقات، بشأن أوراق ضُبطت مع مصطفى مشهور، أحد رجال التنظيم الخاص، الذي كان يعمل آنذاك بمطار ألماظة.
فقد تضمنت تلك الأوراق، وفق الرواية المنشورة، تفاصيل تتعلق بكيفية تخريب المطار العسكري، وأقرّ مشهور بأن الورقتين كُتبتا بخط يده.
ولم يكن مطار ألماظة منشأة هامشية، ولا موقعًا بعيدًا عن مقتضيات الأمن القومي المصري؛ بل كان منشأة عسكرية في دولة تخوض قواتها المسلحة حربًا خارج حدودها، وتواجه تحديات ميدانية تستوجب حماية منشآتها وتأمين خطوط إسنادها.
وهنا تبلغ المفارقة ذروة خطورتها: ففي الوقت الذي كان فيه جنود الجيش المصري يقاتلون على أرض فلسطين، كانت أوراق منسوبة إلى أحد رجال التنظيم الخاص تتضمن تفاصيل لتخريب مطار عسكري مصري.
إن ظهور مثل هذه الأوراق في قضية التنظيم الخاص يضع الجماعة أمام سؤال لا تستطيع الدعاية أن تمحوه، ولا تستطيع الشعارات أن تتجاوزه: ما الذي يدفع عنصرًا في تنظيم سري إلى وضع تفاصيل تخريب منشأة عسكرية تابعة لجيش بلاده وهو يخوض حربًا؟
ولصالح مَن كان سيُخرَّب مطار ألماظة، بينما كان الجيش المصري يحارب إسرائيل على أرض فلسطين؟
رابعًا: تفجيرات الجبهة الداخلية.. وتشتيت الأجهزة الأمنية أثناء المعركة
بينما كان الجيش المصري يخوض معاركه على أرض فلسطين، ويتحمل أعباء القتال والإمداد ومواجهة القوات الإسرائيلية، كانت القاهرة تشهد خلال عام 1948 سلسلة من التفجيرات والاعتداءات التي استهدفت محال ومنشآت ومصالح مدنية، لتضيف إلى أعباء الحرب الخارجية تهديدًا أمنيًا داخل حدود الدولة المصرية.
وتكشف أوراق الاتهام المنشورة في قضية السيارة الجيب عن وقائع تعود إلى يونيو ويوليو وأغسطس وسبتمبر ونوفمبر من ذلك العام، فضلًا عن تقارير ورسوم ومعلومات تتعلق بمواقع مدنية جرى رصدها، بما يكشف عن طبيعة النشاط السري الذي مارسته عناصر من التنظيم الخاص، وحجم المخاطر التي وضعتها تلك الأنشطة أمام أجهزة الأمن المصرية.
ثم جاءت ضبطية السيارة الجيب لتفتح ملفًا أوسع عن الأسلحة والمتفجرات والشبكات السرية، قبل أن يصدر قرار حل جماعة الإخوان في الثامن من ديسمبر 1948.
وهنا تبرز واحدة من أخطر مفارقات تلك المرحلة: دولة تحشد قدراتها العسكرية لخوض حرب خارج حدودها، بينما تُضطر أجهزتها الأمنية إلى مواجهة تهديدات مسلحة وتفجيرات داخل عاصمتها، في توقيت كانت فيه الجبهة الداخلية أحوج ما تكون إلى الاستقرار والتماسك.
فالتفجيرات والأنشطة السرية المسلحة لم تكن مجرد وقائع جنائية معزولة عن سياق الحرب؛ بل فرضت أعباءً إضافية على أجهزة الأمن المصرية، واستدعت جهودًا للتحقيق والملاحقة وتأمين المنشآت وحماية المدنيين، في وقت كانت فيه الدولة تواجه تحديات عسكرية وأمنية استثنائية.
وإذا كانت مصر تخوض حربًا ضد إسرائيل على جبهة فلسطين، فمن المستفيد من إشغال أجهزتها الأمنية بملاحقة المتفجرات والتنظيمات السرية داخل القاهرة؟ وهل كانت إسرائيل تحتاج إلى ما هو أفضل من جبهة داخلية تستنزفها التفجيرات الإخوانية بينما يقاتل الجيش المصري على الجبهة الخارجية؟

خامسًا: تفجيرات اليهود المصريين.. حين تتقاطع الجرائم الإخوانية مع أهداف الوكالة الصهيونية
ثمة صفحة أخرى من صفحات عام 1948 لا تقل خطورة عما سبق؛ تلك المتعلقة بالتفجيرات والاعتداءات التي استهدفت اليهود المصريين ومحالهم ومنشآتهم، في وقت كان فيه الجيش المصري يخوض حربًا ضد إسرائيل، وكانت الحركة الصهيونية تسعى إلى استقطاب اليهود من مختلف أنحاء العالم للهجرة إلى الكيان الوليد.
فقد شهدت القاهرة تفجيرات دامية طالت أحياء ومواقع يهودية، فيما كشفت الأوراق المنشورة في قضية السيارة الجيب عن تقارير وتحريات أعدها عناصر من التنظيم الخاص، تضمنت أسماء أشخاص يهود، وشركات ومحال وعناوين ومعلومات تفصيلية عنها.
ولم يكن اليهود المصريون غرباء عن المجتمع المصري؛ بل كانوا جزءًا أصيلًا من نسيجه الوطني، ومن ثم فإن الاعتداء عليهم لم يكن اعتداءً على إسرائيل، وإنما على مواطنين مصريين، وعلى أمن الدولة وتماسك مجتمعها، في واحدة من أدق لحظات تاريخها الحديث.
وهنا تتجاوز خطورة تلك الجرائم حدود الدماء التي أُريقت والمنشآت التي دُمّرت، إلى تداعياتها السياسية والاجتماعية؛ إذ أسهم مناخ الترويع والاضطراب في تهديد شعور المواطنين اليهود بالأمان في وطنهم، وفتح الباب أمام التفكير في مغادرته، في وقت كانت فيه الوكالة اليهودية تعمل على تشجيع الهجرة إلى إسرائيل وتعزيز قاعدتها السكانية.
وهكذا يبرز تقاطع بالغ الخطورة بين تداعيات تفجيرات عناصر التنظيم الخاص الإخواني، وبين أحد الأهداف الاستراتيجية للحركة الصهيونية: تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل.
فإذا كانت الحركة الصهيونية تسعى إلى اجتذاب اليهود المصريين، فمن المستفيد من تفجير محالهم، وترويع أسرهم، وزعزعة شعورهم بالأمان في وطنهم؟ وكيف يمكن تجاهل أن استهداف هؤلاء المواطنين لم يكن يخدم معركة الجيش المصري في فلسطين، وإنما كان يضرب أمن المجتمع المصري في الداخل؟
وهل يستطيع عاقل أن يغفل هذا التقاطع الخطير بين جرائم التنظيم الإخواني وأهداف الوكالة الصهيونية عام 1948؟

التاريخ لا يُستعاد بالشعارات
ثمانية عقود مضت ولا تزال دماء فلسطين تُستغل كأكبر عملية غسيل سمعة سياسي في التاريخ الحديث؛ حيث تستميت جماعة الإخوان لإحلال سرديتها التنظيمية الخبيثة محل التاريخ الوطني الحقيقي. 
لكن الوثائق القضائية والتاريخية تقف اليوم كالمقصلة، لا تعرف مواربة ولا تمنح الخونة صكاً للغفران. 
لقد سطر الجيش المصري بدمائه ملاحم الشرف، في حين وظّفت هذه الجماعة الإرهابية مشاركة رمزية لبعض المتطوعين كستار دخاني يحجب مخازي "تنظيمها الخاص"' وجرائمه وتفجيراته في قلب مصر، وفضحت التحقيقات أكذوبة المليشيات والتبرعات المنهوبة وتجارة الشعارات. 
إن أخطر ما تصنعه هذه الماكينة الدعائية الإخوانية هو السطو على البطولة الوطنية، وطمس طعنات الغدر في الظهر، ومطالبة الأجيال بعبادة الوهم بدلاً من قراءة الوثيقة. 
لن تكون الذاكرة المصرية رهينة لإرث جماعة تأسست على الزيف، فالأوطان لا تحفظها البيعة العمياء، والبطولة لا تُصنع في الغرف المظلمة؛ بل تُثبتها المواقف وتصونها الوثائق التي حكمت على الإخوان بالخيانة الأبدية.

تم نسخ الرابط