عاجل

 

أحيانًا يتعرض المرء لشيء أو أشياء، في مجملها أو بعضها، تصيبه بالإحباط، وقد يدفعه الإحباط إلى اللامبالاة أو حتى إلى فقدان الولاء. إلا أن من توازن السلب والإيجاب أن يظهر وسط العتمة نور، وعلى كل ذي بصيرة أن يدرك هذه النعمة؛ نعمة الأمل التي تعلو بها الهمة، ويكتمل بها المشوار الذي كُتب علينا، ومن كُتبت عليه خُطًى مشاها.

ما زال فينا الخير، وإن بدا على سطح المجتمع غير ذلك. ما زال فينا الإخلاص والولاء لمن كان جزءًا من تكوين حياتنا، وما زال فينا تحدي الصعاب والتغلب عليها، بدلًا من الاستسلام لواقع فرض نفسه لأسباب متعددة.

والتجربة خير برهان للواعي والغافل.

فما رأيناه من نموذجين كريمين، أحدهما مدير مدرسة كفر شكر، والآخر مديرة مدرسة كفر الجزار، خلال الأيام الماضية، من عدم الاستسلام للظروف المحيطة، بعيدًا عن كل الملابسات التي تابعناها من حديث هنا وتوبيخ هناك، وتقدير هنا أو هناك، يستحق أن نتوقف أمامه قليلًا.

أنا لا أتحدث هنا عن قانونية ما قام به النموذجان، فذلك شأن آخر، وإنما أتحدث عن الدافع وراء ما فعلاه. فالنموذجان يشتركان في دافع واحد، نابع من حب المكان وحب الرسالة؛ حب المدرسة التي يديرها كل منهما بطريقته، مستمدًا رؤيته من البيئة المحيطة به.

المهم أن كليهما لم ينتظر إجراءات قد تستغرق وقتًا ليس متاحًا مع بدء العام الدراسي. لم يجلس أي منهما في مكانه منتظرًا أن تتحرك عجلة الإجراءات، ولم يكتفِ بمخاطبة جهة مرة واحدة، ثم ينتظر الرد، بل طرق الأبواب مرة واثنتين وعشرًا وأكثر، لأنه رأى أن هناك مشكلة يجب أن تُحل، وأن الوقت لا يسمح بالانتظار.

كان بإمكان كل منهما أن يؤدي الشكل المعتاد للوظيفة: حضور، وانصراف، وملابس المدير، ثم ينتهي الأمر عند حدود الاختصاص الورقي. أما المشكلات الطارئة والمتجددة، فتظل في أجندة الجهات المعنية بالمتابعة والحل، ولا بأس أن ينتظر الجميع التسلسل الوظيفي وإجراءاته حتى يحين موعد الحل.

لطالما ارتبط مسمى الوظيفة في أذهان البعض بالروتين والبيروقراطية، لكن المشهد الذي رأيناه كشف لنا أن هناك من يستطيع أن يكسر الاثنين عندما يتعلق الأمر بالصالح العام.

لم يفكر النموذجان إلا في صالح المكان الذي عاش كل منهما بين أركانه عشرات السنين، ولم يتاجر أي منهما بعمله، ولم يكن ما فعلاه بحثًا عن بطولة أو تصفيق. وربما لهذا السبب تحديدًا يستحق ما حدث أن نتوقف أمامه.

ما رأيناه بمحض الصدفة يجب أن يوجه أنظارنا إلى نماذج أخرى مثل هذين النموذجين المخلصين، مهما اختلف المسمى الوظيفي: هناك المدرس، والعامل، والمهندس، والطبيب، والضابط، والمسعف، وغيرهم كثيرون.

هؤلاء هم الذين يجب أن يعتلوا المشهد.

فإذا كانت هناك سلبيات نشتكي منها، ويغذيها شياطين الإنس، فلا يمكن أن نواجهها إلا بتعزيز الإيجابيات، وإظهار أصحابها، والاحتفاء بمن يعملون بإخلاص دون انتظار مقابل.

المجتمع لا ينهض فقط بمحاصرة الخطأ، وإنما أيضًا بنشر الصواب. ولا تنتصر القيم بمجرد أن نقول للناس ما الذي يجب ألا يفعلوه، وإنما حين نريهم نماذج حقيقية لما يجب أن يفعلوه.

الأوطان لا تسقط فقط عندما يقل المال أو تضيق الموارد، وإنما تسقط عندما يغيب الإخلاص لها، ويصبح كل إنسان منشغلًا بنفسه، منتظرًا أن يقوم غيره بما يجب عليه أن يقوم به.

ونحن، والله، فينا الخير.

فقط نحتاج إلى أن نراه، وأن نُظهره، وأن نعطيه المساحة التي يستحقها، وأن نستغل ظهوره وسط كل هذا الكم من الشر؛ حتى تتوارث الأجيال جيلًا بعد جيل «جينات الخير».

والله فينا الخير… فقط لا تجعلوا الشر أعلى صوتًا منه.

تم نسخ الرابط