الذكاء الاصطناعي في الحروب.. دقة تكنولوجية أم زيادة في عدد الضحايا؟
تخطت فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف العسكري حدود الخيال العلمي، لتتحول إلى واقع حاضر بالفعل في ساحات القتال، مع دخول أنظمة قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات وتحديد الأهداف والمساعدة في اختيار الأسلحة ضمن العمليات العسكرية الأمريكية.
وبحسب تقرير نشره موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت»، فإن هذا التطور يفتح سؤالا يتجاوز مدى دقة الآلة وقدرتها على تحديد الأهداف، إلى قضية أكثر حساسية تتعلق بآثار استخدامها على المدنيين، هل يؤدي الذكاء الاصطناعي فعلا إلى تقليل الخسائر البشرية والأضرار الجانبية في الحروب، أم أن قدرته على معالجة البيانات بسرعة وتحديد عدد أكبر من الأهداف قد تؤدي في النهاية إلى توسيع نطاق الاستهداف؟
وبرزت هذه التساؤلات خلال جلسة استماع أُبلغ خلالها مشرعون باستخدام الجيش الأمريكي تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد أهداف الخصوم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي التوسع في استخدام هذه الأنظمة إلى زيادة عدد الأهداف التي يمكن استهدافها بدلا من تقليص الخسائر البشرية.
ويستند المدافعون عن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية إلى فكرة أساسية مفادها أن الآلة قادرة على معالجة كميات من المعلومات تتجاوز ما يستطيع البشر التعامل معه، وهو ما قد يساعد، نظريا، على تحسين دقة تحديد الأهداف وتقليل الأضرار الجانبية.
وعد الدقة يصطدم بأرقام الميدان
وخلال حلقة نقاشية عقدت عام 2024، قال أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير»، إن التكنولوجيا ينبغي أن تكون قادرة على «تقليل حجم الأضرار الجانبية ووفيات المدنيين بشكل كبير».
وشارك هذا التصور إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «جوجل»، وديفيد كوهين، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق، في إطار النقاش بشأن الدور الذي يمكن أن تؤديه التكنولوجيا المتقدمة في عمليات الاستهداف العسكري.
لكن الانتقال من الخطاب النظري إلى التطبيق في ميدان القتال يقدم صورة أكثر تعقيدا، وفقا لـ«ريسبونسبل ستيت كرافت».
وأشار التقرير إلى أن البنتاغون ضرب 13 ألف هدف خلال الأيام الـ38 الأولى من الحرب، مستخدما نظام «مافن» التابع لشركة «بالانتير» للمساعدة في تحديد الأهداف والأسلحة المستخدمة في الهجمات.
وخلال جلسة نظمتها لجنة «توم لانتوس» لحقوق الإنسان، قال خبراء إن الادعاء بأن استخدام الذكاء الاصطناعي يؤدي تلقائيا إلى خفض الأضرار التي تلحق بالمدنيين لا تدعمه، في رأيهم، الوقائع التي استشهدوا بها من ساحات القتال في إيران وأوكرانيا واليمن وغزة.
وقال ستيفن فيلدستين، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: «أنا لا أتفق مع ذلك».
وفي حين يتحدث مؤيدون للتكنولوجيا عن معدلات دقة تصل إلى 90%، يرى فيلدستين أن معدل الدقة الفعلي قد يكون أقرب إلى 50%، وهو فارق كبير بين الوعود المرتبطة بالتكنولوجيا وبين أدائها الفعلي في ظروف الحرب.
عندما تصبح الآلة جزءا من قرار القتل
وتزداد المعضلة تعقيدا عند الانتقال من مسألة دقة تحديد الهدف إلى القرار المتعلق بما سيحدث بعد تحديده، ولا سيما عندما تدخل أنظمة الذكاء الاصطناعي في مراحل مرتبطة بالهجوم واختيار الأسلحة.
وأثار مشرعون تساؤلات بشأن احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجوم الذي وقع في 28 فبراير الماضي على مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، وأسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصا.
وعندما سُئل شيام سانكار، المسؤول في شركة «بالانتير»، عن دور الشركة، وصف الحادث بأنه «مأساة لهؤلاء الفتيات بلا شك»، لكنه قال إن التكنولوجيا ساهمت تاريخيا في تقليل الأضرار الجانبية.

غير أن فيلدستين يرى أن زيادة دقة تحديد الأهداف لا تعني بالضرورة انخفاض عدد الضحايا، لأن القدرة على تحديد الأهداف بسرعة وعلى نطاق واسع قد تؤدي، في المقابل، إلى زيادة العدد الإجمالي للأهداف التي يمكن مهاجمتها.
وبمعنى آخر، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمدى قدرة الخوارزمية على تحديد هدف بعينه، وإنما بعدد الأهداف التي تجعل التكنولوجيا من الممكن تحديدها واستهدافها خلال فترة زمنية قصيرة.
وتظهر الإشكالية نفسها في غزة، حيث يقول الجيش الإسرائيلي إن نظام «لافندر» المعتمد على الذكاء الاصطناعي يحقق دقة تبلغ 90%.
لكن أماندا كلاسينغ، من منظمة العفو الدولية، ترى أن الحديث عن الدقة يفقد جزءا من معناه عندما لا تلتزم العمليات بقواعد التناسب، مشيرة إلى مثال استخدام قنبلة تزن 2000 رطل ضد مبنى سكني.
الخوارزمية لا تحدد وحدها ما هو مقبول
ولا يضع الذكاء الاصطناعي، في حد ذاته، قواعد الحرب أو المعايير التي تحدد ما إذا كان شخص ما أو موقع ما هدفا مشروعا، إذ تعمل الخوارزميات ضمن قواعد وقرارات بشرية تحدد ما يعتبر هدفا وما يمكن اعتباره خسائر مدنية مقبولة.
وقال فيلدستين: «إذا قرر الجيش أنه من المقبول مقتل 5 مدنيين مقابل كل مشتبه به يتم استهدافه، فأنت بذلك تحدد للآلة ما هو مقبول».
وبحسب مصدر استخباراتي تحدث إلى صحيفة «الغارديان»، استُخدم نظام «لافندر» لتحديد 37 ألف رجل فلسطيني كأهداف محتملة، فيما تعرض العاملون، وفقا للمصدر، لضغوط مستمرة لإضافة مزيد من الأهداف، كما أشار المصدر إلى أن الجيش الإسرائيلي وافق على هجمات ضد أهداف منخفضة الأهمية مع احتمال مقتل ما بين 15 و20 مدنيا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الجدل حول الذكاء الاصطناعي في الحروب لا يرتبط فقط بقدرة التكنولوجيا على تحسين دقة المعلومات، بل أيضا بالمعايير البشرية التي تحكم كيفية استخدام تلك المعلومات، والحدود التي تضعها الجيوش لحجم الخسائر المدنية التي يمكن قبولها في مقابل استهداف شخص أو موقع.

تقليص برامج حماية المدنيين
وفي الوقت الذي تُطرح فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تجعل العمليات العسكرية أكثر دقة وأقل ضررا على المدنيين، يشير التقرير إلى تراجع بعض برامج التدريب المخصصة لحماية المدنيين داخل وزارة الدفاع الأمريكية.
فقد انخفض عدد موظفي «مركز التميز لحماية المدنيين» التابع للبنتاجون، الذي أُنشئ عام 2023، من 40 موظفا في يناير 2025 إلى 9 موظفين بحلول نهاية عام 2026، وفقا للمعطيات الواردة في التقرير.
وبالنسبة إلى براون، فإن الإجابة لا تحتاج إلى خوارزمية معقدة، وإنما إلى بيانات يمكن من خلالها اختبار الوعود التي قطعتها التكنولوجيا.
وقال: «إذا كان الأمر كذلك... فلنطلع إذن على الأدلة».



