بدأ العام الدراسي الجديد وانتظم الطلاب في مدارسهم ومعاهدهم.. وهذا ما يدعونا إلى المزيد من التلاحم والتكاتف والتآزر والأخذ بأيدي الضعفاء من الطلاب والتلاميذ. صحيح أن مصر رائدة في دورها المجتمعي والمشاركة الإيجابية عن طريق أهل الخير وهم كثر وكذا الجمعيات الأهلية، إلا أنه ليس أقل من تنامي فكرة المشاركة وتحفيزها والتخفيف عن كاهل أولياء الأمور.
وفي تقديري أن هذا الأمر يتحقق بزيارات سريعة من أهل الخير إلى المدارس والمعاهد الدينية للوقوف على أعداد الطلاب ومن فيهم عجز عن دفع الرسوم الدراسية ومن فيهم في حاجة إلى أدوات مدرسية وكذا حاجتهم إلى اللباس المدرسي... إلخ، شريطة أن يتم ذلك كله دون جرح لمشاعرهم والتنسيق بين إدارة المدرسة أو المعهد. وهذا في تقديري يعد من بديهيات فقه الأولويات ومقاصد الشريعة، ويثاب صاحبه ويعود عليه بالبركة في ماله وصحته وأولاده.
مساعدة طلاب العلم عمل عظيم وقربة لا تقدر بثمن، وفي ظل الأزمات الاقتصادية تشتد الحاجة، فهناك من يحتاج إلى الأخذ بيده والتخفيف عنه، وهناك طالب العلم الفقير ذو الحاجة الذي لا يجد من يؤازره والنتيجة الحتمية فشل ذريع لمستقبله.
وهناك المساكين والفقراء الذين تعرفهم بسيماهم وهم لا يسألون الناس إلحافاً ولا يجدون من يسد جوعتهم ويستر عورتهم، وتجاهلهم يعني فتح الطريق أمامهم إلى عالم الجريمة. وهناك الأرامل والثكالى، مات عائلهم ومن كان ينفق عليهم ولم يعد لهم في هذه الحياة يد حانية تمسح عنهم آهات الدهر وآلامه. فكل هؤلاء أولى عند الله عز وجل من تكرار الحج والعمرة بلا داعٍ، اللهم إلا محاولة إشباع عاطفة لا محيص من وصفها بالأنانية المفرطة، والإغراق في حب الذات.
وها هي تلك الحقيقة يرسيها جلية هذا المتصوف الزاهد «بشر بن الحارث» عندما جاءه رجل وقال له: يا أبا نصر إني أردت الحج وجئتك أستوصيك فأوصني. فقال له: كم أعددت من نفقة الحج؟ قال: ألفي درهم.
فقال له: هل تريد الحج تزهداً أم اشتياقاً إلى البيت أم ابتغاء مرضاة الله؟ قال: والله ابتغاء مرضاة الله. فقال له: هل أدلك على ما تحقق به مرضاة ربك وأنت في بلدك وبين عشيرتك، تعطي هذه الدراهم عشرة أنفس: فقيرًا ترمم فقره، ويتيماً تقضي حاجته، ومديناً تقضي عنه دينه، ومعيلاً تخفف عنه أعباء عياله، ولو أعطيتها واحدًا لتسد بها حاجته فهو أفضل.
وهل هناك أسمى من أن يطعم المسلم جائعاً أو يداوي مريضاً أو يأوي مشرداً أو يكفل يتيماً أو يقضي حاجة أرملة أو يبني مستشفى لعلاج المرضى أو مدرسة لتعليم النشء. وصدق الله تعالى حيث يقول: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» [التوبة: 19].