قضية الطفل يوسف فؤاد، المصاب بضمور العضلات من طفرة (دوشين)، تطرح أسئلة كثيرة لا تزال تبحث عن إجابات واضحة، خصوصًا بعد حملة التبرعات التي جمعت 173 مليون جنيه، وحملة التشكيك التي صاحبت القضية، واستمرت حتى بعد سفر الطفل إلى قطر لتلقي العلاج.
يوسف، وفقًا لما أعلنته أسرته، أصيب بالمرض منذ نحو 6 سنوات، وجرى تشخيص حالته في البداية بطفرة بيكر، قبل إرسال عينة تحليل إلى ألمانيا، حيث تبين إصابته بضمور العضلات دوشين، وتحتاج حالته، بحسب ما تم تداوله، إلى حقنة علاج جيني تبلغ تكلفتها نحو 3 ملايين دولار، مع اشتراطات طبية تتعلق بملاءمة الطفل للعلاج، من بينها أن يكون قادرًا على الوقوف على قدميه.
بدأت الأسرة حملة لجمع التبرعات، ونجحت في جمع المبلغ المعلن، وسط مشاركة واسعة من المواطنين الراغبين في مساعدة الطفل، لكن بعد جمع الأموال، ظهرت حملة تشكيك في حقيقة مرض يوسف، والتقارير الطبية، وأوجه التصرف في التبرعات.
انتشرت اتهامات وتساؤلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتصبح القضية محل نقاش واسع.. وهنا السؤال: لماذا لم تُحسم هذه التساؤلات من خلال تحقيق رسمي يحدد الحقيقة؟..
المواطن الذي تبرع بأمواله يريد معرفة ما إذا كانت الإجراءات الطبية والمالية سليمة، والأسرة من حقها أن تحصل على الحماية من أي اتهامات غير صحيحة، والطريق الذي يجمع بين الحقين هو التحقيق المتخصص، وليس تبادل الاتهامات على الإنترنت.
المشككون قالوا إن الطفل لم يسافر، وطالبوا بمعرفة موعد سفره، ثم سافر يوسف بالفعل إلى قطر، وظهرت والدته على متن الطائرة، قبل وصوله إلى مستشفى سدرة لتلقي العلاج.
حملة التشكيك استمرت حتى بعد وجود الطفل داخل المستشفى.. وهنا تتسع دائرة الأسئلة: إذا كانت هناك معلومات تستند إلى مستندات، فلماذا لا تقدم إلى جهات التحقيق؟ وإذا كانت هناك بلاغات، فما الذي انتهت إليه؟ وهل جرى فحص التقارير الطبية والحسابات المالية وسماع أقوال جميع الأطراف؟.. وأين الرد القاطع؟.
لا يمكن أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي هي الجهة التي تحقق وتحكم في القضية.
المثير في الأمر أن محامي أسرة الطفل تحدث عن صدور أمر ضبط وإحضار بحق إحدى المشككات، بينما أثيرت تساؤلات بشأن حقيقة الأمر وتوقيته.. ولماذا لم ينفذ منذ ٣ أسابيع؟.. وهذه نقطة تحتاج إلى توضيح من خلال المستندات الرسمية، لأن الإجراءات القانونية لا تثبتها التصريحات وحدها.
كما دخلت أطراف أخرى على خط القضية، وتداولت المنصات أسماء محامين وشخصيات عامة، ما زاد من صعوبة التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات.
ومن بين الأسماء التي تردد ذكرها الفنانة وفاء عامر، فما حقيقة ما يربط اسمها بالقضية؟ وهل توجد وقائع محددة تستدعي التوضيح، أم أن الأمر اقتصر على تداول اسمها في النقاش العام؟.
أما المحامية إيمان، فقد أثيرت تساؤلات حول مواقف منسوبة إليها تجاه الأب والطفل، وهنا يجب الرجوع إلى تصريحاتها كاملة، وتحديد ما إذا كان هناك تناقض حقيقي في المواقف أم أن المقاطع المتداولة لا تعكس الصورة الكاملة.
لا يجوز إصدار أحكام على الأشخاص اعتمادًا على مقاطع مجتزأة أو اتهامات لم تُفحص.. السؤال الأكبر هنا يتعلق بغياب التوضيح الرسمي عن ملف أصبح حديث المواطنين.
أين وزارة التضامن الاجتماعي من الجوانب المتعلقة بحملة التبرعات؟، وهل جرى اتخاذ الإجراءات الرقابية اللازمة؟ وهل توجد معلومات يمكن إعلانها بشأن الأموال التي جرى جمعها؟.
لا أتحدث هنا عن تدخل في عمل جهات التحقيق، ولا عن مطالبة بإعلان معلومات قد تضر بسير الإجراءات، وإنما عن ضرورة أن يعرف المواطنون ما يمكن توضيحه قانونًا بشأن قضية شاركوا في تمويلها.
173 مليون جنيه ليست رقمًا عاديًا، وحجم التبرعات يفرض التعامل مع الملف بدرجة عالية من الدقة، وفي الوقت نفسه، فإن التشكيك في مرض طفل، أو توجيه اتهامات إلى أسرته، لا يمكن أن يصبح أمرًا مباحًا لمجرد أن القضية تحولت إلى نقاش عام.
من لديه مستندات فليقدمها، ومن لديه بلاغ فليتابع مساره القانوني، ومن يملك معلومات فليتحمل مسؤولية ما ينشره.. أما نشر الاتهامات دون دليل، فهو يفتح الباب أمام السب والقذف والتشهير، ويزيد الضرر الواقع على أسرة الطفل.
نحن أمام ملف يحتاج إلى إجابات محددة، لا إلى مزيد من الروايات المتضاربة.. ما حقيقة التشخيص الطبي القاطع؟ وهل جرى التحقيق في البلاغات المقدمة؟ وما موقف الجهات المختصة من الوقائع التي أثيرت؟ ولماذا لم يتم حتى الآن التحقيق مع أطراق القضية وحسم الجدل المثار شعبيًا؟.
هذه أسئلة من حق المواطنين طرحها، ومن واجب الجهات المعنية التعامل معها وفق القانون.. وفي المقابل، يجب أن تبقى مصلحة الطفل في مقدمة الاهتمام، وألا يتحول مرضه إلى وسيلة للصراع بين أطراف القضية.
الحقيقة لا يحددها المشككون، ولا تضمنها التصريحات المؤيدة للأسرة.. الذي يحسمها فقط هو التقرير الطبي المعتمد، والمستند المالي، والتحقيق القانوني.. وعلاج الطفل الفعلي في قطر.
فإذا كانت هناك مخالفة، فلتُحدد مسؤوليتها بالأدلة.. وإذا كانت الاتهامات غير صحيحة، فليحصل المتضررون على حقهم القانوني.
لكن استمرار هذا الملف دون توضيحات كافية يترك مساحة واسعة للتأويل، ويزيد من حدة الخلاف.. السؤال الذي ينتظر المواطنون إجابته: لماذا لم تُحسم كل هذه التساؤلات حتى الآن؟ ومن المسؤول عن تقديم الصورة الكاملة؟.
يوسف يحتاج إلى العلاج، والمتبرعون يستحقون الشفافية، وكل طرف في القضية يستحق أن يُحاسب وفق القانون، لا وفق حملات التشهير.. وهنا يجب أن تكون الكلمة الأخيرة لجهات التحقيق الذي أصبح من الضروري وواجبًا بل فرضًا عليها أن تفتح تحقيقا موسعا يضمن الشفافية ومحاسبة أي طرف تجاوز حدود القانون.. ولا يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تلعب هذا الدور وخاصة مع تصاعد الجدل الدائر حول هذه القضية الهامة.