دماء فتاة الصف على أيدينا جميعًا "مجتمع وأهل وصحفيين ومحامين"، فقد شاركنا جميعًا، بقصد أو بدون قصد، في إزهاق روحها البريئة وللأسف، سنجد البعض يعترض على وصفها بالبريئة، وسأقول لهم ما قاله السيد المسيح للفريسيين: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر أولًا".
فهي لا تعدو كونها طفلة غرّر بها ذئب بشري عمره 33 سنة، مستغلًا حداثة سنها (16 سنة)، وعدم احتواء أسرتها لها كعادة أسر مصرية وعربية كثيرة ما زالت ترى في البنت عارًا يستوجب الإخفاء والمحاسبة على النفس والنظرة وحتى الحلم
ففي مجتمعنا عندما تولد الأنثى تكون فرحة أسرتها منقوصة، مع توقيعًا سريًا على قرار إعدام أنوثتها من الأم والأب ثم الأخ الذكر أو الزوج، لينطبق عليها مطلع قصيدة "يوميات امرأة لامبالية" للشاعر نزار قباني:
أنا أنثى .. أنا أنثى..
نهار أتيت للدنيا
وجدتُ قرار إعدامي
ولم أرَ بابَ محكمتي
ولم أرَ وجهَ حُكّامي
ومن هنا بدأت أركان الجريمة في حق فتاة الصف تتشكل لاغتيال براءتها، فالأسرة تضغط وتراقب وتحاسب وتعد الأنفاس، والفتاة تحلم وتتمنى وتشعر، وذئب بشري يتربص ويغرر بالطفلة حتى تهرب وتترك سجن الأسرة على أمل نيل الحرية
لتتصاعد وتيرة الأحداث عندما يدخل محامٍ جشع على الخط، يستغل أزمة الفتاة وأسرتها لتحقيق شهرة على حساب سمعتهم، فالخبرة المهنية تؤكد أو تلمح إلى أن وراء اختفاء الفتاة حكاية لا يجوز الخوض فيها، إلا أنه لم يرحم براءتها وجهل أسرتها، وصنع "شو إعلامي" لنفسه بمشاركة مواقع وصحفيين همهم "الترند" وتحقيق المشاهدات على حساب أي شيء وأي شخص
أما الطامة الكبرى في الواقعة فهي وقوع الداخلية في فخ "الترندات"، خاصة مع اهتمامها بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي والتحرك وفق اتجاهاتها حتى فقدت البوصلة وأصبحت تهرول خلف صدى صوت لبراميل جوفاء، فلم تكتفِ وزارة ضبط الأمن والشارع بإعادة الفتاة لأسرتها، بل قررت الإعلان عما يجب السكوت عنه - وهو ما كنا نعتاد عليه من قياداتها في مواقف مشابهة - ليتم وصم الفتاة وأسرتها بوصمة مجتمعية يقودها الغوغاء ومدعو التدين وهم كُثر،
وتدخل الأسرة والبنت مكرهين في سجن كبير من وهم العار والشرف وخلافه، دون وجود ضمانة تحمي الفتاة من الغضب المحموم الذي استعر في قلب أسرتها، فيقرر شقيقها الذكر أن يكون القاضي والسياف في آن واحد وينهي حياتها، لتسيل دماؤها البريئة على أيدينا جميعًا
والآن فقط، وبعد وقوع الجريمة، نحاول تبرئة أنفسنا فنثور ونغضب وندين ونشجب جريمة شاركنا فيها جميعًا:
أولًا: بالصمت على نظرة مجتمعية ذكورية مشينة ضد أي فتاة تفكر مجرد التفكير في التحرر من القيود المفروضة عليها - وهي بالمناسبة أفكار طبيعية في سن المراهقة - دون أن تجد التوجيه والاحتواء حتى لا تصل بها الأفكار إلى حد الانحراف.
ثانيًا: بصب الزيت على النار المشتعلة في تلك الواقعة وفي وقائع مشابهة، حتى تحول خطأ الفتاة في حق نفسها إلى وصمة مجتمعية تستوجب الثأر والتطهير، لينسى الجميع خطاياهم ويلقوها بالحجارة المشتعلة.
ثالثًا: بالتبرير للجاني، فالبعض يغفل عن عمد إدانة الجُرم، ويبحث عن مبرر للجناة، فنجد من يبرر للمتحرش والزاني والقاتل بإلقاء التهم على الطرف الأضعف، وهي الفتاة.
رابعًا: بالتنصل من المسؤولية، فتنوير المجتمع والأسر وحماية الفتيات مسؤوليتنا جميعًا، حكومة وشعبًا، مثقفين وصحفيين وفنانين وقانونيين، ولنبدأ بتصحيح المفاهيم وتثقيف الأمهات والآباء وتأهيلهم نفسيًا وتربويًا لمساعدتهم في تربية بناتهم في ظل العوالم المفتوحة أمامهن.
جريمة فتاة الصف ليست مسؤولية أسرتها فقط، وليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم تدق أجراس التنوير لتوقظ ضمير هذا المجتمع قبل فوات الأوان.