ارتفاع الفائدة العقارية في أمريكا يضغط على القدرة الشرائية..والتمويل لأجل 30 عاما يتجاوز 7%
تشهد سوق التمويل العقاري في الولايات المتحدة موجة جديدة من ارتفاع تكلفة الاقتراض، مع تجاوز متوسط الفائدة على القروض العقارية ثابتة العائد لأجل 30 عامًا مستوى 7%، في تطور يضيف مزيدًا من الضغوط على قدرة الأسر الأمريكية على شراء المنازل، ويزيد من تعقيدات سوق الإسكان الذي يعاني بالفعل من ارتفاع أسعار العقارات وتراجع القدرة على تحمل تكاليف التملك.
وأظهرت أحدث بيانات سوق الرهن العقاري أن متوسط الفائدة على التمويل العقاري لمدة 30 عامًا ارتفع إلى مستويات تقترب من 7.2%، وهي من أعلى المستويات المسجلة منذ فترة طويلة، بعدما كان المعدل قد تراجع إلى مستويات أقل خلال وقت سابق من العام. وسجل متوسط الفائدة الأسبوعي وفق بيانات «فريدي ماك» 6.76% في 10 سبتمبر، مقابل 6.71% في الأسبوع السابق و6.35% في الفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس الاتجاه الصاعد الذي شهدته تكلفة التمويل خلال الأسابيع الأخيرة.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل صعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ولا سيما العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، الذي يمثل أحد المؤشرات المهمة المؤثرة في تسعير القروض العقارية، بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف المرتبطة بالإنفاق والعجز الحكومي، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية على توقعات التضخم وأسعار الفائدة.
وتنعكس الزيادة في الفائدة بصورة مباشرة على تكلفة الحصول على المسكن؛ فعلى سبيل المثال، فإن قرضًا عقاريًا بقيمة 500 ألف دولار لمدة 30 عامًا، وبسعر فائدة يبلغ نحو 6%، ينتج عنه قسط شهري يقترب من 3 آلاف دولار لأصل القرض والفائدة فقط، بينما يرتفع القسط إلى نحو 3.4 ألف دولار عند فائدة تبلغ 7.22%، أي زيادة تقارب 400 دولار شهريًا، أو نحو 4.8 ألف دولار سنويًا.
وتأتي هذه الزيادة في وقت لا تزال فيه أسعار المساكن الأمريكية مرتفعة مقارنة بمستويات دخول الأسر، وهو ما يجعل تأثير أسعار الفائدة أكثر وضوحًا على قرارات الشراء، خصوصًا بالنسبة للمشترين الجدد الذين يدخلون السوق دون الاستفادة من قروض قديمة منخفضة التكلفة.
وتشير بيانات وتحليلات السوق إلى أن ارتفاع معدلات التمويل لا يؤثر فقط على الطلب، وإنما يمتد تأثيره إلى حركة المعروض أيضًا؛ إذ يميل ملاك المنازل الذين حصلوا على قروض بفوائد منخفضة في السنوات الماضية إلى الاحتفاظ بمساكنهم بدلًا من بيعها والانتقال إلى عقارات جديدة بتكلفة تمويل أعلى، وهو ما يساهم في تعقيد حركة التداول داخل السوق.
كما تمثل معدلات الفائدة المرتفعة تحديًا أمام شركات التطوير العقاري، مع ارتفاع تكلفة تمويل المشروعات وزيادة الحاجة إلى تقديم حوافز تمويلية للمشترين، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض. وأشارت تقارير حديثة إلى أن ارتفاع معدلات الرهن العقاري أدى بالفعل إلى استمرار حالة الضعف في مبيعات المنازل الأمريكية، مع بقاء القدرة على تحمل تكلفة السكن واحدة من أبرز التحديات أمام تعافي السوق.
ويعكس المشهد الأمريكي في الوقت الراهن العلاقة المباشرة بين السياسة النقدية وسوق العقارات؛ فارتفاع العائد على أدوات الدين طويلة الأجل ينعكس سريعًا على تكلفة الرهن العقاري، حتى في الحالات التي لا تتحرك فيها الفائدة الأساسية بالقدر نفسه، وهو ما يجعل سوق الإسكان أكثر حساسية للتغيرات في التضخم وعوائد السندات وتوقعات السياسة النقدية.
ومع ترقب الأسواق لمسار السياسة النقدية الأمريكية، تظل معدلات الرهن العقاري المرتفعة أحد أهم المتغيرات التي ستحدد قدرة سوق الإسكان على استعادة نشاطه، خاصة أن أي انخفاض مستدام في تكلفة التمويل قد يعيد جزءًا من القوة الشرائية للمشترين، بينما استمرارها عند مستويات مرتفعة قد يدفع السوق إلى فترة أطول من الترقب وإعادة تسعير قرارات الشراء والاستثمار.