عاجل

«إبستين تونس».. تسريبات سرية تفتح الصندوق الأسود لشبهات الابتزاز والتشهير

تونس
تونس

أثارت وثائق ومعطيات جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي في تونس خلال الأيام الأخيرة جدلا كبيرا، بعدما قيل إنها مرتبطة بأبحاث أمنية في قضية ذات طابع أخلاقي، تتضمن شبهات تتعلق بالابتزاز والتصوير السري وتسجيلات خاصة اعتُبرت مخلة بالآداب، فضلا عن ورود أسماء ومعطيات شخصية لأشخاص معروفين في البلاد.

وتضمنت الوثائق المتداولة ادعاءات بشأن شخصيات تنتمي إلى مجالات مختلفة، بينها السياسة والفن والإعلام والمحاماة، في وقت لا يزال فيه الغموض يحيط بطبيعة الملف، في ظل عدم صدور إعلان رسمي شامل يوضح تفاصيل القضية أو عدد الأشخاص المشمولين بالأبحاث أو الوضعيات القانونية للأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الوثائق.

وأطلق مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي على الملف تسمية «إبستين تونس»، في إشارة إلى قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين، الذي اتُهم بإدارة شبكة للدعارة واستغلال منازل وجزيرة كان يملكها في ارتكاب جرائم جنسية ضد فتيات قاصرات.

لكن لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، أي صلة بين الملف المتداول في تونس والقضية الأمريكية الخاصة بإبستين، فيما تبدو التسمية التي أطلقها مستخدمو مواقع التواصل مجرد توصيف متداول على خلفية طبيعة الادعاءات المتعلقة بالملف.

البداية بشكوى تتعلق بالابتزاز

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الأبحاث في تونس بدأت إثر شكوى تتعلق بالابتزاز، قبل أن تتوسع لتشمل معطيات مرتبطة بتسجيل وتصوير أشخاص في أوضاع خاصة.

وبحسب ما ورد في الوثائق التي جرى تداولها، كشفت الأبحاث عن وجود تسجيلات خاصة، فيما اتسعت دائرة التحقيقات لتشمل أشخاصا وردت أسماؤهم أو بياناتهم ضمن الملف.

غير أن هذه المعطيات لم تحظ حتى الآن بتوضيح رسمي شامل يحدد مدى صحتها أو اكتمال الوثائق التي جرى تداولها، كما لا يمكن اعتبار مجرد ورود اسم شخص في وثيقة متداولة دليلا على ارتكابه جريمة أو حتى على كونه متهما رسميا في القضية.

وتكتسب القضية حساسية إضافية بسبب ارتباط جزء كبير من المعلومات المتداولة بالحياة الخاصة للأشخاص، إلى جانب انتشار معطيات لم يصدر بشأنها تأكيد من جهة قضائية مختصة.

محام ينفي وجود «شبكة ابتزاز»

وفي أول تعليق مباشر من أحد الأطراف المرتبطين بالملف، نفى المحامي هاني بنينة، الذي يمثل أحد الأطراف الرئيسية في القضية، ما جرى تداوله بشأن وجود شبكة منظمة هدفها الابتزاز.

وقال بنينة إنه «لا يوجد، إلى حد الآن، أي موقوف على ذمة القضية»، موضحا أنه يكتفي بهذا التوضيح احتراما لسرية الأبحاث، وأضاف المحامي: «للملف أسراره، وللحقيقة موعدها».

ويبقي هذا التصريح أحد الجوانب الأساسية في القضية ضمن دائرة الغموض، خاصة في ظل تعدد الروايات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن عدد الأشخاص الذين شملتهم الأبحاث وطبيعة الإجراءات التي اتُخذت بحقهم.

وفي غياب إعلان رسمي من النيابة العمومية أو الجهة الأمنية المعنية، لا يمكن الجزم بعدد الأشخاص المشمولين بالملف أو تحديد وضعياتهم القانونية استنادا إلى الوثائق والمعلومات المتداولة على مواقع التواصل.

بين مكافحة الابتزاز وحماية الحياة الخاصة

ولا يقتصر الجدل الذي أثارته القضية على الجانب الجزائي المرتبط بشبهات الابتزاز والتصوير والتسجيل، بل يمتد أيضا إلى مسألة حماية الحياة الخاصة للأشخاص الذين وردت أسماؤهم أو صورهم أو بياناتهم ضمن الملف.

وقالت المحامية والحقوقية إيناس الجعايبي، في تصريحات صحفية، إن القضية «أخذت أكثر من حجمها»، معتبرة أنه في ما يتعلق بجريمة الابتزاز، كان يتعين على الدولة التدخل لحماية الأشخاص الذين يتعرضون للابتزاز ومعاقبة المتورطين فيه.

وأضافت أن الجزء الثاني من القضية يتعلق بالحياة الشخصية للأفراد، مؤكدة أنه «لا يمكن القبول بتناولها أو التشهير بها».

وتضع هذه المقاربة جانبا من الجدل في إطار التمييز بين التعامل مع الابتزاز باعتباره جريمة تستوجب تدخل الدولة وملاحقة المتورطين فيها، وبين نشر تفاصيل الحياة الخاصة للأشخاص وتحويلها إلى مادة للتداول والتشهير، خصوصا عندما تكون المعطيات المتداولة غير مؤكدة قضائيا.

تساؤلات حول مصدر التسريبات

وامتد الجدل إلى ما هو أبعد من أصل القضية وشبهات الابتزاز والتصوير السري، ليشمل أيضا مسألة تسريب وثائق يُفترض أنها مرتبطة بأبحاث أمنية.

وتضمنت المواد التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي أسماء ومعطيات شخصية، ما أثار تساؤلات حول مصدر هذه الوثائق، وكيفية وصولها إلى الجمهور، وما إذا كانت المواد المنشورة تمثل الملف كاملا أم أنها مجرد مقتطفات من ملف أوسع.

وأدى انتشار الوثائق إلى نقل القضية من نطاق الأبحاث غير المعلنة إلى فضاء عام واسع، أصبحت فيه المعلومات المتداولة والتعليقات والتحليلات حولها جزءا من الجدل الدائر بشأن الملف.

كما أثار ذلك تساؤلات بشأن المسؤولية عن نشر معطيات مرتبطة بأشخاص لم تصدر بحقهم أحكام قضائية، خصوصا أن القضية تتصل بالحياة الخاصة وتتضمن، بحسب ما يظهر من المواد المتداولة، بيانات شديدة الحساسية.

لماذا انتشرت القضية بهذا الشكل؟

ويرى العربي السوسي، الخبير في الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي، أن مجموعة من العوامل أسهمت في الانتشار الواسع للقضية بين الرأي العام التونسي.

وقال السوسي، في تصريحات صحفية، إن من بين هذه العوامل «طريقة الخطاب والإخراج اللغوي» التي قُدمت بها القضية، والتي غلب عليها الطابع الفضائحي، إلى جانب ذكر أسماء شخصيات عامة، وهو ما ساعد على انتشار القصة على نطاق أوسع.

وأضاف أن عاملا ثانيا يرتبط بضيق الفضاء العام في تونس، معتبرا أن قضية بهذا الحجم تفرض نفسها على الجمهور والمتلقي، خصوصا في ظل غياب مساحات تسمح بمناقشة مثل هذه الموضوعات.

وأشار الخبير في الاتصال أيضا إلى دور خوارزميات فيسبوك في تعزيز انتشار هذا النوع من المحتوى، موضحا أن الأخبار التي تحصل على معدلات مرتفعة من التفاعل تحظى بانتشار أكبر.

وقال إن دراسات علمية أثبتت، بحسب تعبيره، دعم المنصة للأخبار الزائفة والمحتويات الفضائحية.

واعتبر السوسي أن تناول عدد من المؤثرين للقضية أسهم بدوره في انتشارها بصورة كثيفة، بالنظر إلى حجم جماهيرهم وطبيعة التفاعل الذي تحققه مثل هذه القضايا على منصات التواصل الاجتماعي.

ماذا يقول القانون التونسي؟

ويخضع التعامل مع المعطيات الشخصية في تونس للقانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004، المؤرخ في 27 يوليو/تموز 2004، والمتعلق بحماية المعطيات الشخصية، والذي يضع ضوابط لمعالجة هذه البيانات واستعمالها وإحالتها.

وينص القانون على عقوبات جزائية في حالات محددة تتعلق بالمعالجة أو الاستعمال أو الإحالة غير المشروعة للمعطيات الشخصية، فيما تختلف المسؤولية القانونية بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به.

كما يجرّم القانون الجزائي التونسي أفعال التهديد في حالات محددة، بينما يمكن أن تخضع أفعال الابتزاز والتصوير أو التسجيل والنشر لتكييفات قانونية مختلفة وفقا للوقائع التي تثبتها التحقيقات والجهات القضائية المختصة.

قضية قضائية أم قضية صنعتها التسريبات؟

وأخرج تسريب الوثائق القضية من نطاق الأبحاث غير المعلنة إلى المجال العام، وحولها خلال فترة قصيرة إلى موضوع واسع التداول والنقاش في تونس.

وطالب مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي بكشف حقيقة ما ورد في الوثائق، ومعرفة ما إذا كانت هناك بالفعل عمليات ابتزاز أو تصوير سري وتسجيلات خاصة، فيما ركز آخرون على الجانب المتعلق بنشر أسماء ومعطيات شخصية مرتبطة بالحياة الخاصة للأفراد.

وحذر منتقدون من أن تتحول المعلومات غير المؤكدة إلى أحكام اجتماعية تسبق ما قد تقرره الجهات القضائية، خاصة في ظل غياب رواية رسمية شاملة تحدد طبيعة الوقائع والأشخاص المشمولين بها والمسؤوليات القانونية المترتبة عليها.

كما أثار توقيت انتشار القضية وطريقة تضخيمها نقاشا سياسيا في تونس، في ظل الأزمات المتراكمة التي تواجهها البلاد، إذ طرح بعض المعلقين فرضية أن الاهتمام الواسع بالملف قد يصرف الأنظار عن ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية أخرى.

وبينما تتواصل حالة الجدل، لا تزال أسئلة أساسية مرتبطة بالقضية من دون إجابات رسمية شاملة، من بينها حقيقة التسجيلات والصور التي يجري الحديث عنها، وكيف بدأت الأبحاث، وما طبيعة الأفعال التي يجري التحقيق بشأنها، وكيف وصلت وثائق مرتبطة بالأبحاث إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن يقف وراء تسريبها.

وفي انتظار ما قد تكشفه الجهات القضائية أو الأمنية المعنية، تظل قضية «إبستين تونس» قائمة، وفق المعطيات المتاحة، على معلومات متداولة ووثائق مسربة وتعليقات محدودة من أطراف على صلة بالملف، في مقابل غياب رواية رسمية شاملة تحدد حقيقة الوقائع والمسؤوليات.

تم نسخ الرابط