تمثل المشاركة الفاعلة للرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال قمة تجمع "بريكس" الثامنة عشرة بالعاصمة الهندية نيودلهي محطة محورية لصياغة رؤية متكاملة لأهداف التنمية في دول الجنوب العالمي. ففي ظل عالم ينوء تحت وطأة أزمات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة، انطلقت الرؤية المصرية التي طرحها الرئيس السيسي من قناعة راسخة بأن التجمع لا ينبغي أن يكون مجرد إطار سياسي بروتوكولي، بل منصة عملية لإحداث تغيير حقيقي وملموس في بنية الاقتصاد الدولي، بما يلبي تطلعات الشعوب النامية نحو الاستقرار والازدهار.
استهلت الرؤية الرئاسية طرحها بالتأكيد على أن مصر تنظر إلى تجمع "بريكس" باعتباره فرصة واعدة لتطوير منظومة اقتصادية دولية أكثر توازنا. وأشار الرئيس السيسي بوضوح إلى أن الهياكل المالية العالمية الحالية عاجزة في كثير من الأحيان عن تلبية الاحتياجات الملحة للدول النامية، مما يحتم تكاتف دول "بريكس" لإصلاح الهيكل المالي الدولي. ودعا في هذا السياق إلى تطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة، وتقوية دور "بنك التنمية الجديد" واعتماد استراتيجيات فاعلة للفترة المقبلة، بما يسهم في تخفيف أعباء الديون عن كاهل الاقتصادات الناشئة وتوفير السيولة اللازمة لتمويل مشروعات التنمية المستدامة دون شروط مجحفة. وقد وضعت الرؤية المصرية نصب عينيها التحديات الوجودية المتمثلة في ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا الصدد شدد الرئيس السيسي على ضرورة تبني مقاربة متكاملة تراعى الترابط الوثيق بين الأمن الغذائي، والأمن المائي، وأمن الطاقة.
وفي خطوة عملية تعكس الالتزام المصري بتعزيز الأمن الغذائي الإقليمي والدولي، استعرض الرئيس الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر لتطوير مركز إقليمي للحبوب واللوجستيات، بما يسهم في تأمين الإمدادات وتقليل تداعيات الصدمات العالمية على الشعوب. كما امتدت الرؤية المصرية لتؤكد أن تحقيق التنمية يعتمد جوهرياً على تنويع مصادر النمو، وتوطين الصناعة، ورفع الإنتاجية، وتقليص الفجوات التكنولوجية والتنموية الهائلة بين الشمال والجنوب.
ولم تغفل رؤية الرئيس السيسي في قمة الهند البعد البيئي والاستدامة، حيث أكد على أهمية تعزيز التعاون الجماعي لمواجهة التداعيات الكارثية لظاهرة تغير المناخ. وأوضح أن تحقيق الانتقال نحو اقتصادات منخفضة الانبعاثات يجب أن يكون "عادلاً وواقعياً"، بحيث يراعي تفاوت الأعباء واختلاف الظروف التنموية بين الدول المتقدمة والنامية. وطالب المجتمع الدولي ودول التجمع بتيسير وصول الدول النامية إلى التمويل المناخي الكافي والميسر، وعدم تحميل الاقتصادات الناشئة أعباء إضافية تعرقل جهودها في القضاء على الفقر وتحقيق التنمية الاجتماعية.
وقد عكس الطرح الرئاسي حرص مصر على توظيف موقعها الجيوسياسي الفريد كحلقة وصل رئيسية للربط التجاري والاستثماري بين إفريقيا وأوروبا وآسيا. وأكد الرئيس استعداد القاهرة للإسهام الفاعل في دعم المشروعات المشتركة داخل التجمع، وتعزيز التجارة البينية، وتعميق التعاون "جنوب - جنوب". كما تطلعت الرؤية المصرية إلى رئاسة الصين القادمة للتجمع، مؤكدة التزام مصر التام بالعمل المشترك مع كافة الأعضاء لتنفيذ أهداف "إعلان نيودلهي" وتحويل الخطط والبرامج إلى واقع ملموس.
وتؤكد رؤية الرئيس السيسي في قمة بريكس بالهند أن التنمية الشاملة والمستدامة لا يمكن أن تتحقق في عالم منقسم، بل تتطلب شراكات حقيقية، وعدالة في توزيع الثمار الاقتصادية، وحوكمة دولية منصفة تعيد الاعتبار لصوت الدول النامية على خريطة القرار العالمي.