عاجل


ينظر البعض لتكتل  البريكس  على أنه الأمل من أجل تعاون دول الجنوب في مواجهة أجواء دولية غير مواتية اقتصاديا لهم ، و انه بمثابة الضوء في آخر النفق  ، خاصة في ظل عالم يتغير و يتشكل من نظام القطب الواحد الي نظام متعدد الأقطاب تشارك فيه التجمعات الاقتصادية بدور ملحوظ ،  ولكن يواجه  البريكس  حاليا تحديات كبيرة بعد توسعته بسبب الاختلافات السياسية بين أعضائه  الأمر الذي قد يهدد مستقبل هذا التكتل المهم و قدرته  علي الاستمرار بنجاح ، 

و قد تم عقد   قمة بريكس التي  استضافتها الهند يومي ١٢ و١٣ سبتمبر الحالي تحت شعار "بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة"في ظل تحديات اقتصادية وأمنية  عديدة تواجه العالم بشكل عام و الدول الأعضاء في بريكس بشكل خاص ، الأمر الذي قد يهدد مستقبل المجموعة التي كان ينظر لها كتكتل للمستقبل الأفضل و نموذج لتحالف دول من الجنوب ،   فقد ظلت بريكس  التي كانت  تضم في البداية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، تعمل بهدوء  لسنوات ،و لكن إعلانها عن توسع كبير لأعضائها  خلال قمة جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا عام 2023 دفع الولايات المتحدة للتعامل مع هذا التكتل بحذر و توجيه تهديدات مباشرة له بمنع أى إصدار لعملة موحدة للدول الأعضاء على غرار اليورو في الاتحاد الأوروبي ، وهو كان احد اهداف بريكس الأمر الذي  سيؤثر بالطبع  على قيمة الدولار،  خاصة و أن عدد أعضاء مجموعة  بريكس ارتفع بعد 16 عاما من  تأسيسها،  إلى عشرة، مع انضمام مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات العربية المتحدة، كما استحدثت المجموعة فئة أدنى تضم 10 دول شريكة، وهو ما أثار استنفار أمريكا و دول أوروبية خوفا من التأثير الاقتصادي والسياسي  لهذا التكتل المهم ، 
و بالتالي بدأ الغرب سياسة وضع العصا في العجلة لمنع السير قدما أمام تكتل البريكس ، 

و لهذا فإن بعض المراقبين يرون انه من الأفضل أن يركز تجمع البريكس على التعاون الاقتصادي أكثر من التعاون السياسي و الأمني و العسكري حتي لا يحمل بداخله عوامل اضعافه، لان الخلافات السياسية بين أعضائه كبيرة فهناك خلاف بين مصر واثيوبيا حول مياه نهر النيل و خلافات بين الهند والصين وخلافات بين السعودية و الامارات و خلافات  حول توسعة الامم المتحدة و تنافس مصري جنوب أفريقي إثيوبي نيجيري  حول من يشغل  مقعد أفريقيا الدائم في مجلس الأمن في حالة توسعته،  
و قد سعت الهند خلال فترة رئاستها البريكس بكل ما تملكه من خبرة  دبلوماسية كبيرة إلى إنجاح عمل البريكس،   والبناء على ما تحقق بالفعل  خاصة و ان تجمع البريكس  نجح من بناء أول تكتل عابر للقارات فعليا خارج منظومة امريكا و اوروبا ،و يضم التجمع  حاليا دولا  من مختلف مناطق الجنوب العالمي، كما أصبح  حجم اقتصادها يتجاوز مجموعة السبع ، و لهذا فان تركيز البريكس على التعاون الاقتصادي والتنمية بين أعضائه أفضل من التركيز على التعاون السياسي و من الأفضل تنحية الخلافات السياسية و الأمنية جانبا والتركيز على المشروعات المشتركة  ، ولعل أبلغ دليل علي ذلك ان  تمويل التنمية يعد  من أبرز إنجازات "بريكس"، فقد أكمل بنك التنمية الجديد عقدا من العمل مع احتفاظه بتصنيفات ائتمانية مرتفعة، و كذلك أسهمت الروابط المتنامية بين دول المجموعة، في دفع سياساتها نحو قدر أكبر من التقارب في عدد من القضايا التي تحظى بأهمية خاصة لدى الجنوب العالمي، و لهذا ففي ظل أوضاع دولية حاليا تتسم بالاستقطاب و عدم الاستقرار خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران و التي سببت أزمات اقتصادية عالمية و مخاطر في الملاحة الدولية   واتباع البيت الأبيض مبدأ من ليس معنا فهو علينا فإن من الأفضل أن لا يصبح تكتل البريكس طرفا في اى من تلك التنازعات ، 
خاصة و أن دول أكثر داخل "بريكس" وجدت نفسها مضطرة إلى الاصطفاف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، وبالتالي اصبح التوصل إلى موقف مشترك بين دول البريكس أمر ليس سهلا ،  لذلك فان التركيز علي المشروعات التنموية المشتركة و التعامل بالعملة المحلية بين الدول الأعضاء هو الحل للحفاظ على البريكس و مستقبلها كمجموعة ،و الابتعاد عن التعاون الأمني وعدم الإصرار على وجود موقف سياسي موحد لتجمع بريكس من كل القضايا السياسية الدولية بسبب وجود خلافات بين مواقف  الدول الأعضاء ،  حتى لا يحدث جمود في عمل البريكس في المستقبل ، فالمهم هو تحقيق النهوض بالأولويات المشتركة لدول الجنوب العالمي ، و قد سعت الهند بكل قوتها الديبلوماسية خلال فترة رئاستها إلى الوصول بالبريكس لبر الامان حيث 
عُقد خلال الرئاسة الهندية  أكثر من 350 اجتماعاً وفعالية رفيعة المستوى في أكثر من 25 مدينة في مختلف أنحاء الهند، و تم فيها تناول عدة موضوعات مثل  التعاون السياسي والأمني، والتجارة والتمويل، والصناعة، والتكنولوجيا والابتكار، والزراعة، والطاقة، والبيئة، والصحة، والتعليم، والثقافة، والشباب، والرياضة، والتواصل بين الشعوب. كما عُقد نحو 25 اجتماعاً وفعالية على المستوى الوزاري في إطار التحضير للقمة ، كما سعت الهند إلى جعل تعاون مجموعة البريكس أكثر عملية وشمولاً وتركيزاً على التنمية بصورة متزايدة.
و كذلك  أسهمت رئاسة الهند في استكمال استراتيجية الشراكة الاقتصادية للبريكس 2030.

والمعروف أن البريكس بدأ   عام 2006 و ضم في البداية البرازيل وروسيا والهند والصين ثم انضمت جنوب إفريقيا عام 2011 ، و ايضا  انضمت دول جديدة في يناير 2024 تشمل مصر وإيران والإمارات وإثيوبيا وإندونيسيا، ليصبح عدد الأعضاء 11 دولة ،و يطالب التكتل  بنظام اقتصادي دولي أكثر إنصافاً وتمثيلاً للدول النامية ، و تطوير أنظمة دفع بديلة وتعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية وتقليل الاعتماد على الدولار ، و  تنسيق السياسات الاقتصادية لمواجهة التحديات وتقلبات أسواق الطاقة العالمية
وستتولي  الصين الرئاسة القادمة لمجموعة بريكس عام ٢٠٢٧ ، و يظل السؤال هل سينجح تكتل بريكس في مواجهة التحديات الدولية والخلافات السياسية بين أعضائه و السير قدما نحو مزيدا من التعاون أم سينجح الغرب الثري  في وقف تقدم البريكس الذي قد يشكل نجاحه خطرا على قيمة الدولار و مكانة الغرب ؟ و ما هو تأثير الخلافات السياسية ببن الدول الاعضاء علي مستقبل عمل البريكس ؟ أسئلة  ستجيب عنها   السنوات القادمة . 

تم نسخ الرابط