ترامب والبنتاجون والكونجرس.. خلافات متصاعدة مستقبل القوات الأمريكية في أوروبا
تبحث وزارة الحرب الأمريكية «البنتاجون» إعادة توزيع قواتها المنتشرة في أوروبا، ضمن مراجعة أوسع تجريها إدارة الرئيس دونالد ترامب لدور الولايات المتحدة العسكري في القارة، وسط عقبات قد تحد من أي خفض كبير في أعداد القوات.
وأعلن إلبريدج كولبي، رئيس قسم السياسات في البنتاجون، في 27 يوليو، بدء مراجعة تستمر 6 أشهر للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، بهدف نقل الجزء الأكبر من مسؤولية الدفاع التقليدي إلى الدول الأوروبية، فيما أطلق على التصور اسم «الناتو 3.0».
وتضم القارة حاليًا نحو 80 ألف عسكري أمريكي، يتمركز ما يقرب من نصفهم في ألمانيا، بينما تنتشر بقية القوات في دول من بينها بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا ورومانيا واليونان وإستونيا.
توجه نحو آسيا
ويسعى كولبي منذ فترة إلى إعادة توجيه جزء أكبر من القوة العسكرية الأمريكية نحو آسيا لمواجهة الصين، مع تقليل الاعتماد على الانتشار العسكري في أوروبا والشرق الأوسط.

وزادت التطورات الأخيرة من فرص تنفيذ هذا التوجه، خاصة مع توتر العلاقة بين ترامب وعدد من الحلفاء الأوروبيين، على خلفية مواقفهم من الحرب على إيران.
وشهد العام الماضي خطوات عكست احتمال تقليص الوجود الأمريكي، من بينها سحب وحدة عسكرية تضم نحو 3 آلاف جندي من رومانيا في أكتوبر 2025، ثم مطالبة الحلفاء الأوروبيين في ديسمبر بالاستعداد لتولي المسؤولية الأكبر عن الدفاع التقليدي بحلول عام 2027.
كما ألغى البنتاجون في مايو انتشارًا عسكريًا كان مقررًا في بولندا، قبل أن يتدخل ترامب ويعلن لاحقًا إرسال 5 آلاف جندي، فيما لم تصل القوات إلى هناك حتى الآن.
وفي يونيو، أعلنت واشنطن خفض حجم القوات والطائرات والسفن التي ستخصص للدفاع عن أوروبا إذا تعرض الناتو لهجوم.
و يدرس فريق كولبي 4 سيناريوهات لإعادة ترتيب الانتشار، على أن ترفع إلى وزير الحرب بيت هيجسيث لمراجعتها بحلول 6 نوفمبر.
من قد يخسر القوات الأمريكية؟
ولا يبدو أن القرار سيتخذ وفق الحسابات العسكرية وحدها، إذ طلبت وزارة الحرب من دول الناتو تحديد موقفها العلني من السياسة الخارجية الأمريكية، وحجم مشترياتها من الأسلحة الأمريكية، إلى جانب طبيعة القيود المفروضة على استخدام القواعد العسكرية الأمريكية.
وتضع هذه المعايير إسبانيا وإيطاليا ضمن الدول التي قد تواجه خفضًا في الوجود العسكري الأمريكي، خاصة مع تراجع مستوى التوافق بين حكومتيهما وإدارة ترامب بشأن الحرب على إيران.
أما ألمانيا، فقد سبق أن هدد ترامب بخفض القوات الأمريكية الموجودة على أراضيها، حيث أعلن سحب 5 آلاف جندي عقب انتقادات وجهها المستشار فريدريش ميرتس للحرب على إيران.
الكونجرس يعارض خفض القوات
ويواجه البنتاجون عقبة رئيسية تتمثل في الكونجرس، الذي سبق أن عارض تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، محذرًا من أن سحب القوات قد يضعف الردع أمام روسيا.
وأقر المشرعون ضمن قانون تمويل الدفاع لعام 2026 حدًا أدنى لعدد القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا يبلغ 76 ألف جندي، مع السماح بخفض العدد بشرط التشاور مع الحلفاء الأوروبيين واستيفاء شروط أخرى.
كما لم يوافق الكونجرس حتى الآن على تعيين اثنين من مساعدي كولبي في منصبين رئيسيين، في إشارة إلى استمرار الخلاف بشأن رؤيته لإعادة ترتيب القوات الأمريكية.

وفي محاولة للتأثير على القرار، تعمل بعض الدول الأوروبية على تقديم حوافز لواشنطن، بينها خفض تكلفة استضافة القوات الأمريكية.
وقد تكون بولندا، التي تعد من أكبر مشترِي الأسلحة الأمريكية، ورومانيا، التي أيدت الموقف الأمريكي من الحرب على إيران، من بين الدول الأوفر حظًا في الاحتفاظ بالقوات الأمريكية.
وفي المقابل، يضغط وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للإبقاء على حضور عسكري أمريكي قوي في أوروبا، وتشير تقارير إلى أن تدخله ساهم في إبطاء بعض خطط الانسحاب.
إيران تعقد حسابات البنتاجون
وتزيد الحرب الأمريكية مع إيران من صعوبة تنفيذ خفض واسع للقوات الأوروبية، إذ تعتمد العمليات العسكرية جزئيًا على الوصول إلى قواعد جوية وبحرية أمريكية في القارة.
ويرى محللون أن تقليص القوات البحرية على وجه الخصوص لن يكون سهلًا في المدى القريب، بسبب أهمية الانتشار الأمريكي في البحر المتوسط لدعم العمليات في المنطقة.
ويبقى موقف ترامب نفسه أحد أبرز العوامل التي قد تغير مسار الخطة، خاصة أنه سبق أن أوقف أو عدل قرارات عسكرية اتخذها البنتاجون.
وكان ترامب قد تراجع عن خطة لسحب قوات أمريكية من بولندا بعد تدخل الرئيس البولندي كارول ناوروتسكي، الذي تربطه به علاقة وثيقة، كما تمكن قادة أوروبيون في مناسبات أخرى من التأثير في قراراته بشأن الانتشار العسكري الأمريكي.



