عاجل | وفاة ملك النرويج هارالد الخامس عن عمر 89 عاما
أنهى رحيله اليوم الجمعة مسيرة ملكية امتدت أكثر من ثلاثة عقود، تخللتها تحولات اجتماعية وسياسية واسعة في النرويج، فيما يستعد ابنه وولي عهده هاكون لتولي العرش في مرحلة تواجه فيها الأسرة المالكة تدقيقا متزايدا.
أعلن البلاط الملكي النرويجي وفاة الملك هارالد الخامس عن عمر 89 عاما، بعد تدهور حالته الصحية خلال فترة علاجه في المستشفى الوطني بأوسلو، وقال القصر إن الملك توفي بسلام عند الساعة 06:35 بالتوقيت المحلي، 04:35 بتوقيت جرينتش، الجمعة.
وكان هارالد قد دخل المستشفى في 17 أغسطس للعلاج من فقر الدم الانحلالي، وهو اضطراب دموي نادر يؤدي إلى تدمير خلايا الدم الحمراء بوتيرة أسرع من قدرة الجسم على تعويضها.
وتدهورت حالته لاحقا بعدما أصيب بعدوى بكتيرية في الدم، قبل أن يصف القصر حالته بأنها «خطيرة للغاية».
وخلال الساعات التي سبقت وفاته، توافد أفراد العائلة المالكة إلى المستشفى، فيما تجمع مئات النرويجيين أمام القصر الملكي في أوسلو ووضعوا الزهور والشموع تعبيرا عن دعمهم للملك، قبل أن يأتي الإعلان عن وفاته صباح الجمعة.
وسيخلف هارالد ابنه ولي العهد هاكون، البالغ 53 عاما، الذي كان قد تولى مهام الوصي على العرش خلال فترة مرض والده، بعدما ألغى وأفراد الأسرة المالكة عددا من ارتباطاتهم الرسمية للبقاء إلى جواره.
35 عاما على العرش
تولى هارالد العرش في عام 1991 بعد وفاة والده الملك أولاف الخامس، ليصبح أحد أطول ملوك النرويج بقاء في الحكم، كما كان أول ملك نرويجي يولد في النرويج منذ القرن الرابع عشر.
وخلال أكثر من 35 عاما، ارتبط اسمه بملكية أكثر انفتاحا وأقل تقيدا بالتقاليد، وبصورة شخصية وصفها مراقبون بأنها متواضعة وقريبة من الناس. وأصبح مع مرور السنوات شخصية توحيدية في المجتمع النرويجي، خصوصا خلال الأزمات الوطنية.
وقال المؤرخ والمراسل الملكي في قناة «TV2»، أولي يورغن شولسرود هانسن، إن الملكية النرويجية أصبحت خلال عهد هارالد أكثر مساواة وشفافية فيما يتعلق بالشؤون المالية والصحية.
ووصفته توف تاليسين، المراسلة الملكية في صحيفة «نيتافيسن»، بأنه «واحد منا»، فيما قالت الخبيرة الملكية كارولين فاغل إن هارالد «كان دائما قريبا جدا من الشعب».
زواج تحدى تقاليد العائلة المالكة
كان هارالد قد لعب دورا في تغيير صورة العائلة المالكة من خلال زواجه من سونيا هارالدسن، وهي ابنة رجل أعمال من عامة الشعب.
التقى ولي العهد آنذاك سونيا في إحدى الحفلات، لكنه اضطر إلى الانتظار تسع سنوات قبل الحصول على موافقة والده الملك أولاف على الزواج، إذ كان الملك يفضل أن يتزوج ابنه أميرة أوروبية.
وقال هارالد لاحقا إنه أبلغ والده بأنه إذا لم يُسمح له بالزواج من سونيا، فإنه سيبقى أعزبا، وفي النهاية وافق الملك أولاف، وتزوج هارالد وسونيا في كاتدرائية أوسلو في 29 أغسطس/آب 1968، وعاشا معا نحو 58 عاما.
ومهد هذا الزواج الطريق أمام أبناء هارالد لاحقا للزواج من أشخاص من خارج الأسر الملكية، فيما يرى مراقبون أن اختياره ساعد في تغيير صورة مؤسسة ملكية كانت تهيمن عليها تقاليد ذكورية صارمة.
الحرب العالمية الثانية في طفولته
ولد هارالد في 21 فبراير 1937 في مزرعة سكاوغوم بالقرب من أوسلو، وكان في الثالثة من عمره عندما غزت ألمانيا النازية النرويج في بداية الحرب العالمية الثانية.
وهربت والدته مع أطفالها عبر الحدود إلى السويد، قبل أن يسافروا إلى الولايات المتحدة بدعوة من الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين د. روزفلت، عاد الأمير هارالد إلى النرويج مع عائلته في نهاية الحرب، وأكمل دراسته ثم أدى الخدمة العسكرية الإلزامية.
وأصبح وليا للعهد عام 1957، ثم درس العلوم الاجتماعية والتاريخ والاقتصاد في كلية باليول بجامعة أكسفورد بين عامي 1960 و1962، وعندما مرض والده عام 1990، أصبح هارالد وصيا على العرش، ثم اعتلى العرش في 17 يناير/كانون الثاني 1991 بعد وفاة الملك أولاف.
ملك في قلب أصعب أزمات النرويج
لم تقتصر مكانة هارالد على المناسبات الرسمية، بل برز دوره بشكل خاص خلال الأزمات الوطنية.
وفي يوليو/تموز 2011، واجه الملك أكبر مأساة أمنية في عهده عندما نفذ المتطرف اليميني أندرس بريفيك هجومين في أوسلو وجزيرة أوتويا، أسفرا عن مقتل 77 شخصا، بينهم 69 شخصا قتلوا في مخيم للشباب على الجزيرة.
وألقى هارالد خطابا متلفزا في اليوم التالي، ثم عاد بعد أسابيع للحديث عن الضحايا وعائلاتهم، متناولا المأساة بصفته أبا وجدا وزوجا وملكا، وقال حينها إن النرويجيين يجب ألا يسمحوا للخوف بالسيطرة عليهم، ودعا إلى التمسك بالمجتمع والانفتاح.
ويرى هانسن أن تلك اللحظة أصبحت واحدة من أكثر الصور رسوخا في الذاكرة النرويجية عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الملكية، معتبرا أن ظهور الملك وهو يتحدث بعاطفة وتعاطف عزز صورته باعتباره شخصية جامعة للأمة.
خطاب عن التنوع
وفي عام 2016، تصدر هارالد عناوين الصحف مرة أخرى بعد خطاب حظي باهتمام واسع، تحدث فيه عن التنوع الديني والعرقي والجنسي في النرويج.
وأكد أن النرويجيين ينحدرون من دول مختلفة ويؤمنون بديانات ومعتقدات متنوعة، وأن بينهم أشخاصا من خلفيات وأصول وتوجهات مختلفة، في رسالة عكست النهج الأكثر انفتاحا الذي اتبعه خلال عهده.
وقال خبراء ملكيون إن قدرة هارالد على إظهار مشاعره وروح الدعابة وحتى نقاط ضعفه جعلته يبدو أكثر إنسانية وأقرب إلى المواطنين.
شغف بالرياضة والبيئة
كان هارالد أيضا رياضيا بارزا وخصوصا في رياضة الإبحار، ومثل النرويج في ثلاث دورات أولمبية، قبل أن يعلن في 2022 إنهاء مسيرته في الإبحار التنافسي.
كما كان ناشطا في مجال البيئة، وكان من مؤسسي الفرع النرويجي للصندوق العالمي للطبيعة WWF، وتولى رئاسة الفرع النرويجي لمدة 20 عاما.
ومن بين آخر المناسبات التي ظهر فيها هارالد أمام الجمهور استقباله المنتخب النرويجي لكرة القدم في القصر بعد عودته من الولايات المتحدة، عقب وصول الفريق إلى الدور ربع النهائي من كأس العالم لأول مرة.
أزمات صحية متكررة
شهدت السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا في صحة الملك، ما دفعه إلى تقليص مشاركاته الرسمية بشكل دائم منذ أبريل 2024.
وكان قد واجه مشكلات صحية متعددة، من بينها تركيب جهاز تنظيم ضربات القلب بعد إصابته بمرض خلال عطلة خاصة في ماليزيا عام 2024، كما دخل المستشفى في وقت سابق من عام 2026 أثناء وجوده في جزر الكناري.
وفي أغسطس، كان يخضع لعلاج بالكورتيزون بسبب فقر الدم الانحلالي، قبل أن يدخل المستشفى في 17 أغسطس، ويتولى هاكون مهامه بصفته وصيا على العرش.
ورغم تدهور صحته وتقدمه في السن، كان هارالد قد رفض مرارا فكرة التنازل عن العرش، مستندا إلى تعهده أمام البرلمان النرويجي بأن يؤدي مهمته طوال حياته.
الأسرة الملكية تحت ضغط متزايد
في المقابل، شهدت الأسرة المالكة خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الأزمات والفضائح التي ألقت بظلالها على شعبية المؤسسة الملكية.
ومن أبرزها قضية ماريوس بورغ هويبي، ابن ولي العهد هاكون وزوجته ميت ماريت من علاقة سابقة. وقد أدين هويبي في النرويج بسلسلة من الجرائم، من بينها الاغتصاب، وحُكم عليه بالسجن أربع سنوات، قبل أن يستأنف الحكم.
وعلى الرغم من أنه نشأ داخل محيط الأسرة المالكة، أكد القصر النرويجي أنه لم يكن في أي وقت عضوا في العائلة المالكة.
وقبل بدء محاكمته، ظهرت وثائق تتعلق باتصالات متكررة أجرتها والدته ميت ماريت مع رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، الذي أدين بجرائم جنسية.
واعتذرت ميت ماريت لاحقا للملك هارالد والملكة سونيا عن علاقتها بإبستين، ووصفتها بأنها «سوء تقدير»، وقالت في مقابلة تلفزيونية إنها تتمنى لو أنها لم تقابله مطلقا.
وبعد يومين من انتهاء محاكمة ابنها، خضعت ميت ماريت لعملية زرع رئة، بعدما كانت قد شُخصت قبل ثماني سنوات بنوع نادر من التليف الرئوي.
ابنة الملك وزواج أثار الجدل
واجهت الأسرة كذلك جدلا حول الأميرة مارثا لويز، ابنة هارالد وسونيا، وكانت الأميرة قد تزوجت في البداية من كاتب نرويجي، قبل أن تدخل في زواج مثير للجدل عام 2024 من رجل أمريكي يقدم نفسه باعتباره «شامانا»، وأدت الأنشطة التجارية للزوجين في نهاية المطاف إلى تخلي مارثا لويز عن واجباتها الملكية.
ويرى بعض النرويجيين أن هارالد كان متساهلا أكثر من اللازم مع بعض القرارات المثيرة للجدل داخل عائلته، لكن فاغل قالت إنه كان يفضل مناقشة القضايا قبل إصدار أحكام أو تعليمات صارمة.
تراجع شعبية المؤسسة الملكية
وأثرت هذه الأزمات على شعبية النظام الملكي النرويجي، إذ أظهر استطلاع لصحيفة «أفتنبوستن» تراجع التأييد من 72% عام 2024 إلى 54%.
كما أظهرت استطلاعات أخرى أن نحو نصف النرويجيين يعتقدون أن ميت ماريت لم تعد قادرة على أن تصبح ملكة، رغم أن هاكون من المتوقع أن يؤكد استمرارها في هذا الدور عند توليه العرش.
ومع ذلك، ظل هارالد نفسه يحظى بتقدير واسع، إذ يقول محللون إن الانتقادات الموجهة إلى الأسرة لم تنعكس بالقدر نفسه على شخص الملك.
وقالت فاغل إن الانطباع الذي بقي لديها هو أن «الجميع أحب الملك هارالد»، بينما قال المؤرخ تروند نورين إيساكسن إن النرويجيين يميلون عندما تحدث مشكلات داخل الأسرة الملكية إلى تحميل المسؤولية لأي شخص «باستثناء الملك».
ومع وفاة هارالد، تنتقل المسؤولية إلى ابنه هاكون في وقت حساس بالنسبة للعائلة المالكة، إذ سيتعين على الملك الجديد التعامل مع الملفات المثيرة للجدل المحيطة بأسرته، إلى جانب دعم زوجته ميت ماريت خلال فترة علاجها وتعافيها.



