النعش المفتوح الذي فضح العنصرية الأمريكية.. الجريمة الكاملة للطفل إيميت تيل
كانت ولاية ميسيسيبي، في منتصف خمسينيات القرن الماضي، لا تزال تحمل بين طياتها إرثا ثقيلا من عصر مزارع القطن والعبودية، إذ صُنّفت وقتها كأفقر ولاية أمريكية، فيما كانت بلدة موني تحديدا الأفقر بين مدنها.
وفي هذا المناخ المشحون بالفوارق العرقية، وقعت واحدة من أبشع جرائم الكراهية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، طالت مراهقا لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
قدم إيميت تيل، القادم من مدينة شيكاجو، إلى موني في صيف عام 1955 لقضاء إجازته لدى أقاربه.
أبشع جريمة عنصرية في تاريخ أمريكا.. قصة مقتل الطفل إيميت تيل التي هزت العالم
وفي 24 أغسطس من ذلك العام، دخل متجرا صغيرا كانت تديره سيدة تدعى كارولين براينت بمفردها، في واقعة تباينت الروايات حول تفاصيلها بين من قال إنه صفّر لها ومن أشار إلى لمسة أو كلمات غير لائقة، دون أن يخبر الفتى عائلته بما جرى.
لم تمر أيام قليلة حتى اقتحم زوج روي براينت، برفقة أخيه غير الشقيق، منزل أقارب الفتى في جنح الليل الفاصل بين 27 و28 أغسطس، وانتزعاه من فراشه قسرا.
تعرض تيل خلال اقتياده لضرب مبرح بمؤخرة مسدس، قبل أن يُقتاد إلى حظيرة حيث تعرض لتعذيب وحشي بلغ حد فقء إحدى عينيه، ثم أُطلق الرصاص على رأسه، وربطت جثته بقطعة معدنية من آلة لحلج القطن ورُميت في نهر تالاتشي، وبعد ثلاثة أيام فقط، عثر صيادون على الجثة في حال يصعب معها التعرف عليها.

الجريمة التي هزت الرأي العام لم تجد طريقها إلى العدالة، إذ برأت هيئة محلفين مؤلفة بالكامل من رجال بيض، في منطقة كانت العنصرية فيها متجذرة، كلا الرجلين في سبتمبر 1955، وحال مبدأ حظر المحاكمة المزدوجة، الذي يكفله التعديل الخامس للدستور الأمريكي، دون إعادة محاكمتهما لاحقا.
والأكثر إثارة للجدل أن الرجلين لم يكتفيا بالإفلات من العقاب، بل حصلا بعد نحو عام على مبلغ قارب 4000 دولار مقابل اعترافهما بالجريمة في حديث لمجلة "لوك" الأمريكية.
في المقابل، اتخذت والدة الضحية موقفا أثار تعاطفا واسعا، إذ أصرّت على إقامة جنازة بنعش مفتوح كي يرى العالم بأم عينه وحشية ما تعرض له ابنها، وهو ما أدى إلى نشر صور الجثة المشوهة في الصحافة الأمريكية الأفريقية، لتتحول القضية إلى أحد أبرز الدوافع التي أشعلت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.
ولم تُغلق ملفات القضية نهائيا رغم مرور عقود، إذ أعيد فتح التحقيق فيها مرتين، في عامي 2004 و2017، غير أن هيئة محلفين كبرى في ميسيسيبي رفضت عام 2007 توجيه أي اتهامات.
وأعاد كتاب صدر عام 2017 للمؤرخ تيموثي تايسون فتح النقاش من جديد، بعدما زعم أن كارولين براينت تراجعت عن روايتها الأصلية بشأن تحرش الفتى بها، ما أثار تساؤلات حول إمكانية ملاحقتها قضائيا بتهمة شهادة الزور، غير أن وزارة العدل الأمريكية أغلقت التحقيق رسميا في ديسمبر 2021 دون توجيه أي اتهامات جديدة.
وتبقى قضية إيميت تيل، التي مرت عليها الآن أكثر من ستة عقود دون أن تتحقق فيها العدالة الكاملة، شاهدة على عمق الأزمة العرقية التي عاشتها الولايات المتحدة في تلك الحقبة، ومرجعا يُستحضر كلما طفت قضايا التمييز العنصري على السطح مجددا.



