عاجل

بين شائعات الوفاة والتطمينات الرسمية.. هل تسبب غياب مجتبى خامنئي بأزمة قيادة؟

مجتبى خامنئي
مجتبى خامنئي

لا يزال مصير المرشد الإيراني مجتبى خامنئي يحيط به الغموض، في ظل غيابه شبه الكامل عن المشهد العام منذ توليه منصب المرشد الأعلى خلفًا لوالده، علي خامنئي، الذي قُتل في الأيام الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي.

وبعد نحو ستة أشهر على تنصيبه، لم تُنشر، وفق تقرير لمجلة «ذا أتلانتك» الثلاثاء، أي صورة أو مقطع فيديو أو تسجيل صوتي حديث لمجتبى خامنئي، كما غاب عن مراسم تأبين والده، وهو ما عزز التكهنات بشأن وضعه الصحي ومكان وجوده.

ويقول التقرير إن عددًا من كبار المسؤولين الإيرانيين أقروا بأنهم لم يلتقوا المرشد الجديد، ومن بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، العضو في مجلس الأمن القومي الإيراني. كما نقل موقع «إيران واير» المعارض، ومقره لندن، عن مصادر أن أيًا من أعضاء الحكومة لم يلتقِ بمجتبى منذ توليه منصب المرشد الأعلى.

وقال محمد حسين خوشفاغت، وهو مسؤول سابق ومقرب من مجتبى، إن أقل من خمسة أشخاص التقوا بالمرشد منذ توليه السلطة، مرجعًا ذلك إلى «الإجراءات الأمنية».

أسباب أمنية وراء الاختفاء

وترى «ذا أتلانتك» أن التفسير الأمني لغياب مجتبى يظل ممكنًا، خصوصًا في ظل احتمال استهدافه من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة بغارة جوية، على غرار الهجوم الذي أودى بحياة والده.

كما أن أي اتصالات مباشرة للمرشد أو ظهور علني له قد توفر لأعداء إيران مؤشرات تساعد في تحديد موقعه، وهو ما قد يفسر تشديد الإجراءات المحيطة به.

وتشير تقارير إلى أن مجتبى أُصيب بجروح خلال الغارة التي استهدفت عائلته في فبراير/شباط، وهو ما قد يكون جعل ظهوره العلني أو إلقاء خطابات أمام الجمهور أمرًا بالغ الصعوبة.

لكن استمرار الاختفاء الكامل، إلى جانب تراجع التصريحات الصادرة عن مكتبه خلال الفترة الأخيرة، فتح الباب أمام شائعات جديدة داخل طهران بشأن وفاته أو تدهور حالته الصحية.

شائعات عن «موت دماغي»

وتكهنت مصادر مقربة من الحكومة الإيرانية بأن مجتبى ربما توفي مؤخرًا متأثرًا بإصابات تعرض لها خلال هجوم فبراير/شباط، بينما ذهبت مصادر أخرى إلى الحديث عن تدهور شديد في حالته الصحية.

ونقلت «ذا أتلانتك» عن موظف في مؤسسة حكومية بطهران قوله: «أعتقد أن مجتبى إما توفي أو أنه في حالة موت دماغي»، مستندًا إلى ما وصفه بانقطاع التواصل حتى بصورة غير مباشرة بين المرشد والعالم الخارجي.

وأكد مسؤولان حكوميان آخران، بحسب التقرير، وجهة النظر ذاتها، كما نقل موقع «إيران واير» عن مصدرين في الحكومة الإيرانية أن معلومات انتشرت بين كبار مسؤولي النظام تفيد بأن الحالة الصحية لمجتبى تدهورت بصورة بالغة، وأنه قد يفارق الحياة في أي لحظة.

وقبل نحو أسبوعين، انتشرت عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي المحلية دعوة إلى الإيرانيين للدعاء لمجتبى بالشفاء وتقديم الأضاحي، وجاء فيها أن حياته «مهددة»، فيما حذر بعض رجال الدين، وفقًا للدعوة، من احتمال تعرضه للاغتيال.

بيانات رسمية متقطعة

ومنذ توليه المنصب، يواصل مكتب مجتبى إصدار المراسيم والبيانات باسمه، في ظل المكانة الاستثنائية التي يشغلها المرشد الأعلى في النظام الإيراني، باعتباره المرجع الديني الأعلى وصاحب السلطة السياسية الفعلية في البلاد.

وكان آخر بيان معلن صادر عن مكتبه في 9 أغسطس/آب، وأفاد بأن مجتبى التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

ولم يحدد البيان تاريخ اللقاء، لكنه أشار إلى أنه عقد بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تولي بزشكيان منصبه، وهي مناسبة حلت في 28 يوليو/تموز، ما يعني أن الاجتماع جرى في ذلك التاريخ أو بعده.

وقال بزشكيان لوسائل إعلام إيرانية إنه أمضى سبع ساعات مع مجتبى، ناقشا خلالها تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد.

لكن خوشفاغت قال إن بزشكيان نُقل إلى مكان اللقاء «دون أن يعلم مكانه»، في إشارة إلى احتمال اتخاذ إجراءات أمنية مشددة أثناء نقله.

وفي اليوم نفسه، 9 أغسطس، أصدر مجتبى سلسلة مراسيم عيّن بموجبها عددًا من الجنرالات في مناصب عسكرية عليا، كما استبدل أحد ممثليه في مجلس الأمن القومي.

ومنذ ذلك الحين، لم يصدر عن مكتبه ما يكشف بصورة واضحة عن وضعه أو مكان وجوده.

تطمينات رسمية في مواجهة الشائعات

ورفض خوشفاغت الروايات التي تتحدث عن وفاة مجتبى، مؤكدًا أنه لا يزال على قيد الحياة.

وقال إن الشائعات المتعلقة بوفاته تمثل «جزءًا من حرب نفسية» تهدف إلى إضعاف معنويات المسؤولين والشعب الإيراني، ودفعهم إلى الاستسلام أمام الضغوط والتهديدات الأمريكية.

وأضاف أن هذه الشائعات تهدف كذلك إلى تشجيع الإيرانيين المعارضين للنظام على الخروج إلى الشوارع، بما قد يتيح، بحسب قوله، تنفيذ مخططات أمريكية وإسرائيلية.

من جانبه، قال عبد الرضا داوري، المستشار السابق في وزارة الداخلية والمؤيد لمجتبى، إن المرشد «بصحة جيدة»، وإنه سيظهر أمام الجمهور قريبًا.

لكن استمرار غياب مجتبى عن المشهد لنحو أسبوعين منذ آخر نشاط معلن لمكتبه، إلى جانب الدعوات إلى الدعاء له وتقديم الأضاحي، والشائعات المتداولة في أوساط حكومية، أبقت الشكوك قائمة رغم هذه التطمينات.

غياب المرشد يربك النظام

وبغض النظر عن حقيقة وضع مجتبى الصحي، فإن غيابه العلني يمثل تحديًا للنظام الإيراني، بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الدستور للمرشد الأعلى.

وكان المرشد، في عهد علي خامنئي، يمثل الحكم النهائي في الخلافات بين المؤسسات والفصائل المتنافسة داخل النظام، كما كان صاحب الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية الكبرى.

لكن غياب مجتبى عن المشهد يأتي في وقت تتصاعد فيه الخلافات الداخلية حول مستقبل البلاد، خصوصًا بشأن الحرب والعلاقات مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت الراهن، يتولى مجلس الأمن القومي الإيراني، المؤلف من 13 عضوًا، إدارة جانب كبير من شؤون البلاد بصورة جماعية.

ويرأس المجلس الرئيس مسعود بزشكيان، الذي يؤيد إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، ويضم بين أعضائه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي قاد المفاوضات مع واشنطن، إلى جانب الجنرال أحمد وحيدي وقادة عسكريين آخرين.

وفي يونيو/حزيران الماضي، صوت 12 عضوًا من أصل 13 في المجلس لصالح مذكرة التفاهم التي أبرمتها إيران مع الولايات المتحدة في إسلام آباد.

خلاف حول اتفاق واشنطن

وأرسل مجتبى رسالة أعلن فيها تأييده للاتفاق، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه كان يعارض مثل هذا الاتفاق «من حيث المبدأ»، واستغل منتقدو المسار الدبلوماسي من التيار المتشدد هذه الإشارة لاتهام قاليباف باغتصاب السلطة وفرض مذكرة التفاهم على المرشد.

وتصاعدت الانتقادات إلى حد أن وسيلة إعلام تابعة للحرس الثوري بثت فيلمًا وثائقيًا حمل عنوان «انقلاب قاليباف».

ولم يتبن مجتبى هذا الطرح أو ينفه، بل التزم الصمت، في وقت بدأت فيه فصائل مختلفة داخل النظام تتحدث باسمه وتقدم مواقفها على أنها تعكس توجهاته.

وقال بزشكيان للصحفيين إن مجتبى شدد خلال لقائهما على ضرورة أن يحافظ مسؤولو النظام على «الوحدة والتماسك»، وأن يتجنبوا الاقتتال الداخلي، لكن دعوات التهدئة لم تمنع استمرار الصراع بين مراكز القوى داخل النظام.

صراع داخل مؤسسات الحكم

وفي يونيو، وقع 63 عضوًا من أصل 88 عضوًا في مجلس خبراء القيادة بيانًا انتقدوا فيه مسؤولي النظام، مؤكدين أنه لا يحق لأي منهم مخالفة «رأي مجتبى القاطع».

وفي الوقت ذاته، دعا البيان أي مسلم «يستطيع الوصول» إلى قتل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في موقف لا يتطابق بالكامل مع الرسائل التي يوجهها المفاوضون الإيرانيون بشأن المسار الدبلوماسي، لكنه ينسجم بدرجة أكبر مع تصريحات سابقة نُسبت إلى مجتبى وتعهد فيها بـ«الثأر».

وتكشف هذه المواقف عن حجم التباين داخل النظام الإيراني بين جناح يدفع باتجاه التفاوض وإنهاء الحرب، وآخر يتمسك بخطاب المواجهة والرد على الولايات المتحدة.

أزمة قيادة محتملة

ويواجه النظام الإيراني في المرحلة الحالية خيارات مصيرية بين الاستمرار في المسار الدبلوماسي أو العودة إلى التصعيد والصراع، بينما يظل منصب المرشد الأعلى محور عملية اتخاذ القرار.

وبموجب الدستور الإيراني، يمتلك المرشد صلاحيات واسعة لتحديد التوجهات الاستراتيجية للدولة، والفصل في القضايا الكبرى بين مؤسساتها المختلفة.

لكن في ظل الغياب الطويل لمجتبى خامنئي، وعدم وجود معلومات مستقلة وحاسمة بشأن حالته الصحية أو مكان وجوده، تزداد التساؤلات حول مدى قدرته على ممارسة هذه الصلاحيات فعليًا.

وبينما تؤكد مصادر مقربة منه أنه على قيد الحياة وبصحة جيدة، تتحدث مصادر أخرى عن تدهور خطير في حالته الصحية، فيما لم يقدم مكتبه ما يكفي لإنهاء الجدل.

وفي بلد يمر بحرب وأزمة اقتصادية وصراع داخلي على توجهاته المستقبلية، قد يتحول استمرار الغموض حول وضع المرشد إلى أزمة سياسية أوسع، خصوصًا إذا طال غيابه عن ممارسة دوره في حسم الخلافات داخل مؤسسات النظام.

تم نسخ الرابط