حصد ملايين المشاهدات.. حقيقة فيديو اقتحام منزل "عميل للموساد" في إيران؟
انتشر على نطاق واسع خلال الأيام الماضية مقطع فيديو قيل إنه يوثق مداهمة السلطات الإيرانية منزل شخص وصفته حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بأنه «أرفع وأهم عميل للموساد الإسرائيلي» في العاصمة طهران، مع الادعاء بالعثور داخل المنزل على مبالغ ضخمة من الدولارات وسبائك الذهب.
وحصدت الرواية ملايين المشاهدات، بعدما أعادت حسابات مؤيدة لإيران نشر المقطع على منصات مختلفة وباللغات العربية والإنجليزية والأردية، في وقت أظهر فيه التحقق أن الفيديو لا علاقة له بمداهمة أمنية في طهران، وأنه في الأصل محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي نُشر في سياق ترفيهي.
كيف انتشر الادعاء؟
بدأ تداول المقطع على منصة «إكس» في 17 أغسطس الجاري، قبل أن تنتقل الرواية إلى حسابات أخرى معروفة بتأييدها لإيران، والتي قدمت الفيديو على أنه يوثق عملية أمنية نفذتها السلطات الإيرانية داخل منزل «العميل الأهم للموساد في طهران».
وظهرت في الفيديو رزم من الأوراق النقدية وسبائك ذهب، وهو ما استخدمه ناشرو المقطع لتدعيم روايتهم بشأن ضبط ثروة كبيرة داخل منزل الشخص المزعوم.

وبحسب التقارير، فإن أقدم منشور عُثر عليه للمقطع ضمن هذه الرواية نشره حساب على منصة «إكس» يحمل اسم «Asif Ali» في 16 أغسطس الجاري.
وحصل المنشور على أكثر من 3.1 مليون مشاهدة، قبل أن تنتشر النسخة نفسها على حسابات أخرى وتُعاد صياغة الادعاء المصاحب لها بلغات مختلفة.
غياب أي إعلان رسمي
لم يكشف البحث عن أي تقارير حديثة صادرة عن وكالات أنباء أو وسائل إعلام إيرانية تتحدث عن مداهمة منزل عميل مزعوم للموساد في طهران أو ضبط مبالغ ضخمة من الدولارات وسبائك الذهب خلال الفترة التي انتشر فيها الفيديو.
ويزيد غياب أي تأكيد رسمي أو تغطية إعلامية محلية لواقعة بهذا الحجم من الشكوك بشأن صحة الرواية، خاصة أن المقطع انتشر أساساً عبر حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وليس من خلال مصادر إخبارية موثوقة.
حذف العلامة المائية
وخلال تتبع النسخ المتداولة، لوحظ أن عدداً من الحسابات التي أعادت نشر الفيديو عمد إلى اقتصاص الجزء العلوي الأيسر من الإطار، حيث تظهر العلامة المائية التي يمكن أن تساعد في تحديد المصدر الأصلي للمقطع.
كما حذفت بعض الحسابات العلامة المائية بالكامل، وهو ما أدى إلى فصل الفيديو عن سياقه الأصلي وصعّب الوصول إلى الجهة التي أنتجته ونشرته في البداية.
ويعد حذف العلامة المائية أو اقتصاصها من المؤشرات التي تستدعي التدقيق، خصوصا عندما يُعاد استخدام مقطع قديم أو ترفيهي لتقديم رواية جديدة مرتبطة بحدث سياسي أو أمني.
مؤشرات في الصوت والإضاءة
وأظهر الفحص الدقيق للمقطع عددا من الملاحظات المتعلقة بالصوت والصورة، فالصوت المصاحب يبدو قريبا جدا من مصدر التسجيل، ولا تظهر فيه أصداء أو تفاعلات صوتية تتناسب بصورة واضحة مع الحركة داخل المكان الذي يفترض أن يكون مبنى أو مساحة داخلية واسعة.
كما يمكن سماع أصوات سيارات في الخلفية، بما يوحي بوجود منطقة سكنية أو حيوية بالقرب من موقع التصوير.
في المقابل، تبدو الإضاءة داخل المكان غير متوافقة بشكل واضح مع ظروف الإضاءة الخارجية التي توحي بها حركة السيارات والأصوات المحيطة، وهو ما أضاف مؤشرات أخرى تستدعي الشك في أن المشهد يمثل واقعة حقيقية جرى تصويرها داخل منزل في طهران.
الدولارات وسبائك الذهب تكشف التزييف
أظهر التحليل البصري والتقني للمقطع مؤشرات عدة على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في توليده، ومن أبرز هذه المؤشرات الطريقة التي ظهرت بها رزم الدولارات، إذ تبدو في بعض اللقطات كأنها مجسمات وضعت داخل المشهد من دون توافق كامل مع القواعد الفيزيائية الطبيعية للحركة والوزن والتراص.

كما تبدو الكتابات والأرقام الموجودة على الأوراق النقدية غير واضحة أو مشوهة عند تكبير الصور.
وتحمل أوراق الدولار الحقيقية، ولا سيما فئة 100 دولار، مجموعة من العلامات والعبارات والأرقام التي تظهر بصورة واضحة نسبياً عند تصويرها من مسافة قريبة، في حين تبدو الأرقام التسلسلية في الفيديو المتداول أقرب إلى خربشات غير مفهومة لا تتشكل منها حروف أو أرقام حقيقية.

وظهرت مؤشرات مشابهة في تفاصيل سبائك الذهب وطريقة ترتيبها، وهي من السمات التي يمكن أن تظهر في المقاطع المنشأة باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
أداة لكشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي
وعند فحص المقطع باستخدام أداة «AI Video Detector» المتخصصة في تحليل المحتوى المرئي، حصل الفيديو على نسبة بلغت نحو 82% ضمن تصنيف «يرجح أنه مولد بالذكاء الاصطناعي».

وتوزعت النتيجة بين 89% لمؤشرات التوليد على مستوى الإطارات الثابتة و67% على مستوى الحركة.
ورغم أن أدوات الكشف الآلي عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي لا تمثل دليلا منفردا وحاسما على التزييف، فإن نتائجها تكتسب أهمية أكبر عند توافقها مع مؤشرات بصرية وتقنية أخرى ووجود مصدر أصلي مختلف للمقطع.
الفيديو يشبه محتوى «استكشاف الأماكن المهجورة»
كشف الفحص أيضا أن أسلوب تصوير الفيديو يتطابق مع قالب بصري متكرر في مقاطع منشأة بالذكاء الاصطناعي، يعرف على منصات التواصل الاجتماعي بمحتوى «استكشاف الأماكن المهجورة».
ويعتمد هذا النوع من المقاطع عادة على تصوير مظلم وثابت نسبياً، مع تحرك بطيء لكشاف يدوي باتجاه شيء أو مكان مثير للفضول، بالتزامن مع أصوات خطوات أو مؤثرات صوتية.
ويلاحظ في عدد من هذه المقاطع عدم وجود تطابق دقيق بين حركة الكاميرا والصوت المصاحب لها، وهي سمة ظهرت أيضاً في الفيديو المتداول على أنه يوثق مداهمة منزل عميل للموساد في طهران.
كما ينتشر هذا الأسلوب بصورة متكررة عبر حسابات على منصتي «إنستغرام» و«تيك توك» تنشر محتوى منشأ بالذكاء الاصطناعي ضمن قالب استكشاف الأماكن الغامضة أو المهجورة.
العثور على المصدر الأصلي
وبالتوازي مع التحليل الفني، قاد البحث العكسي عن الفيديو إلى المصدر الأصلي للمقطع، ليتبين أنه سبق أن نشرته صفحة «إيجيبتون» الساخرة على «إنستجرام» قبل أيام من إعادة تداوله في سياق إيراني.
وحصد المنشور الأصلي أكثر من 7 ملايين مشاهدة، لكنه لم يقدم الفيديو باعتباره مشهدا من عملية أمنية أو واقعة حقيقية في طهران.
بل نشرته الصفحة في إطار كوميدي، وطرحت على متابعيها سؤالا عن مكان «الخرابة» التي تظهر في المشهد، في سياق مختلف تماما عن الادعاء الذي رافق النسخ التي انتشرت لاحقا.
اقتطاع الجزء الليلي من الفيديو
وتكشف مقارنة النسخة الأصلية بالنسخة المتداولة أن الحسابات التي روجت لرواية «عميل الموساد» لم تنشر الفيديو كاملا، فالمقطع الأصلي تبلغ مدته نحو 29 ثانية ويتضمن مشهدين، أحدهما ليلي والآخر نهاري، بينما اقتصر المقطع المستخدم في الرواية المتداولة على الجزء الليلي فقط، والذي تبلغ مدته نحو 14 ثانية.
ويكتسب هذا الاقتطاع أهمية خاصة، لأن الجزء النهاري يوفر تفاصيل أكثر وضوحاً تكشف علامات التوليد الاصطناعي في المشهد.

كما رجحت أداة ضمن حزمة «InVID-WeVerify» أن يكون المشهد النهاري مولداً بالذكاء الاصطناعي بنسبة تصل إلى 99%.
وتظهر في هذا الجزء بصورة أوضح التشوهات والتكرارات غير الطبيعية في شكل رزم الدولارات وسبائك الذهب، خاصة عند الإضاءة الطبيعية، وهو ما قد يفسر سبب استبعاد هذا الجزء من النسخ التي روجت للرواية المتعلقة بإيران.
الصفحة الأصلية تنشر محتوى مشابها
وأظهر تتبع نشاط صفحة «إيجيبتون» أن إنتاج مقاطع تعتمد على الذكاء الاصطناعي يدخل ضمن نمط المحتوى الذي تنشره الصفحة في الفترة الأخيرة، وتحظى بعض هذه المقاطع بملايين المشاهدات.
كما نشرت الصفحة على «إنستجرام» مشهدا آخر يستخدم أسلوبا مشابها في عرض الأوراق المالية، ولكن ضمن مكان وسياق مختلفين، ما يعزز أن الفيديو المتداول لم يكن تسجيلا سريا لعملية أمنية إيرانية.
وبناء على تتبع المصدر الأصلي، والتحليل البصري والتقني، وغياب أي تأكيد رسمي أو تغطية موثوقة للواقعة في إيران، يتضح أن الفيديو المتداول على أنه يوثق مداهمة منزل «أهم عميل للموساد في طهران» مضلل ولا يوثق عملية أمنية إيرانية.
فالمقطع في الأصل محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي نشرته صفحة ساخرة ضمن سياق ترفيهي، قبل أن يُقتطع الجزء الليلي منه وتُحذف أو تُخفى العلامة المائية للمصدر، ثم يعاد نشره عبر حسابات مؤيدة لإيران مصحوبا بادعاء مختلف تماماًعن سياقه الأصلي.
وبذلك، فإن مشاهد الدولارات وسبائك الذهب التي ظهرت في الفيديو لا تشكل دليلا على ضبط السلطات الإيرانية أموالا أو ذهبا داخل منزل عميل للموساد، كما لم يظهر ما يؤكد وقوع عملية المداهمة المزعومة من مصادر رسمية أو إعلامية موثوقة.



