عاجل

«اقتله أولا».. كيف يوظف نتنياهو الدين في خطاب الحرب؟

نتنياهو
نتنياهو

شهدت العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية تحولا بارزا تمثل في تصاعد كثيف لاستدعاء النصوص والمفاهيم الدينية والتلمودية لتبديل المفهوم التقليدي للأمن وتبرير القرارات الجيوسياسية والعسكرية حيال الجبهات المختلفة من غزة ولبنان وصولا إلى إيران.

في يونيو 2026، وأثناء خطابه في مؤتمر نظمته وكالة الأخبار اليهودية بالقدس المحتلة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تغيير رسمي في عقيدة إسرائيل الأمنية، مستشهدا بعبارة عبرية قديمة من التلمود البابلي: "هابا ليهورغيخا هاشكيم ليهورغو" (إذا جاء أحد ليقتلك، فانهض مبكرا واقتله أولا). 

وأوضح نتنياهو أن هذا التوجه يمثل استجابة عقلانية للتهديدات الوجودية من خلال المبادرة والمباغتة وتوجيه الضربات الاستباقية للخصوم.

مسار التوظيف: من غزة إلى إيران

لم تكن خطبة القدس حدثاً معزولاً، بل جاءت تتويجا لمسار متصاعد من الخطاب الديني القومي الذي وظفه نتنياهو منذ اندلاع الحرب على غزة:

  • "خطاب "أبناء النور" 

في 25 أكتوبر 2023، وصف المواجهة بأنها بين "أبناء النور وأبناء الظلام" مستحضرا "نبوءة إشعياء".

  • "رمزية "عماليق"

استشهد بقصة عماليق التوراتية أمام الجنود لحثهم على التذكر والقتال، وهي الإشارة التي امتدت لاحقا لتشمل الضربات الموجهة لإيران في فبراير 2026، حيث صرح في نقاش حكومي: "هذه المرة لا نتذكر فقط ما فعله بنا عماليق، بل نقوم بمحوه أيضا".

  • الاستشهاد بالتوراة

 في سبتمبر 2024، وخلال مؤتمر صحفي مع جدعون ساعر تطرق فيه لاغتيال قيادات حزب الله واستهداف الحوثيين، اقتبس من التوراة: "سألاحق أعدائي وسأقضي عليهم".

تسمية العمليات العسكرية برمزية توراتية

انتقل التأطير الديني من خطب رئيس الوزراء إلى التسميات الرسمية للتحركات العسكرية:

  • "شعب كالأسد"

الاسم الذي أُطلق على الضربات العسكرية ضد إيران في يونيو 2025، والمستوحى من سفر العدد، وذلك عقب نشر صورة لنتنياهو يضع ورقة مكتوبة بتلك العبارة في حائط البراق.

  • "عربات جدعون" و"السيوف الحديدية"

 تسميات مستمدة مباشرة من الشخصيات والروايات التوراتية.

القراءة الأكاديمية: التعبئة وبناء السردية

في تحليل للظاهرة، يرى أستاذ الإعلام بجامعة دورهام جوليون ميتشل أن تأطير النزاعات بديناميات دينية يساعد القادة على حشد الدعم التكتيكي وتبرير الأفعال، لكنه يحذر من أن تجريد الخصم من إنسانيته يعقد فرص بناء السلام مستقبلا.

من جهته، يحدد إبراهيم أبو شريف، الأستاذ المشارك بجامعة نورث وسترن، 3 وظائف لهذه اللغة:

  1. التعبئة الداخلية: شحذ المعنويات في الداخل الإسرائيلي.
  2. التأطير الحضاري: تحويل الصراع إلى دراما أخلاقية بين "الخير والشر" أو "الحضارة والتطرف".
  3. السردية الإستراتيجية: إضفاء طابع مقدس على الصراع يضيق مساحات التسوية، مع التأكيد على أن أصل القرارات يبقى جيوسياسياً وليس لاهوتيا.

تسرب الخطاب إلى الجيش والمحافل الدولية

لم تقتصر هذه اللغة على القيادة السياسية، بل امتدت إلى التعبئة الميدانية داخل المؤسسة العسكرية، حيث وجه قادة عسكريون (مثل قائد لواء غفعاتي وقائد الكتيبة 8119) رسائل لجنودهم تتحدث عن "تطهير الأرض"، ووزع حاخامات منشورات تحث على عدم الرحمة، فضلا عن كتيّبات ورسائل كُتبت على القذائف والصواريخ استلهمت عبارات مثل "عماليق" و"اقتله أولا".

وقد اتسعت أصداء هذا القاموس لتصل إلى أروقة محكمة العدل الدولية في لاهاي بيناير 2024، عندما استشهدت جنوب أفريقيا بتصريحات نتنياهو حول "عماليق" كدليل على نية الإبادة الجماعية في غزة. 

تم نسخ الرابط