حصار وتهجير وهجمات يومية.. تقرير يرصد واقع الفلسطينيين في الضفة الغربية
في تطور لافت يعكس تصاعد القلق الدولي إزاء الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، وجه السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي انتقادات نادرة للمستوطنين الإسرائيليين، واصفًا ما يجري في قرية قصرة بأنه "عمل إرهابي مروع"، في موقف أثار اهتمامًا واسعًا نظرًا إلى مواقفه المعروفة بدعمه لإسرائيل.
وقال هاكابي، في منشور عبر منصة "إكس"، إن ما يحدث يستهدف "ترهيب هذه العائلة"، مضيفًا أن ما جرى "أمر بغيض"، كما أشار إلى أن الشرطة والجيش الإسرائيليين تدخلا بناء على طلب السفارة الأمريكية لإخراج "الإرهابيين الإسرائيليين".
وجاءت تصريحات السفير الأمريكي بعد تقارير تحدثت عن محاصرة مستوطنين إسرائيليين لعدد من المنازل في قرية قصرة الواقعة جنوب نابلس منذ التاسع من أغسطس الجاري، ومنع سكانها من الوصول إلى الغذاء والمياه والإمدادات الأساسية الأخرى.

الضفة الغربية بين عنف المستوطنين والانتقادات الأمريكية.. ماذا يحدث هناك؟
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن أحد المنازل المحاصرة يعود إلى فلسطيني يحمل الجنسية الأمريكية، وهو ما دفع السفارة الأمريكية إلى التدخل بشكل مباشر.
وتسلط قضية قصرة الضوء على تصاعد غير مسبوق في وتيرة اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز الملفات الحقوقية المثيرة للجدل على الساحة الدولية.
ويُطلق مصطلح "المستوطنين" على الإسرائيليين الذين يقيمون في مستوطنات داخل الضفة الغربية المحتلة أو القدس الشرقية، وتؤكد الأمم المتحدة ودول العالم أن هذه المستوطنات غير قانونية، لأنها أقيمت في أراض احتلتها إسرائيل عام 1967.
ورغم ذلك، تواصل حكومات الاحتلال المتعاقبة دعم التوسع الاستيطاني من خلال تمويل مشاريع البنية التحتية وتقديم حوافز مالية وإعفاءات ضريبية للمستوطنين، بينما ينتقل بعض الإسرائيليين إلى تلك المناطق بدوافع اقتصادية أو أيديولوجية.
ووفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة في يونيو 2026، بلغ متوسط عدد هجمات المستوطنين على الفلسطينيين ست هجمات يوميًا خلال النصف الأول من العام، وهو أعلى معدل يتم تسجيله على الإطلاق.
وتشمل هذه الإحصاءات الاعتداءات التي أسفرت عن إصابات أو أضرار مادية فقط، ما يعني أن العدد الفعلي للحوادث قد يكون أكبر من ذلك.
وقالت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن الفلسطينيين في الضفة الغربية يواجهون أوضاعًا بالغة الصعوبة، مؤكدة أن السكان يفقدون منازلهم وأراضيهم الزراعية ومواشيهم ومصادر دخلهم، بينما يكافح كثيرون من أجل البقاء في مناطقهم.
وأضافت المنظمة أن الفلسطينيين يعيشون في ظل غياب الحماية، مشيرة إلى أن الاعتداءات المتكررة تدفع العديد من العائلات إلى مغادرة أراضيها.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة الصادرة في يوليو 2026، قُتل 1111 فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023 على يد مستوطنين أو قوات الجيش الإسرائيلي، بينهم 243 طفلًا على الأقل.
وتؤكد منظمات حقوقية أن المحاسبة القانونية في مثل هذه القضايا لا تزال محدودة للغاية.
وأعادت قضية المستوطن الإسرائيلي ينون ليفي تسليط الضوء على هذه المسألة، بعدما وُجهت إليه اتهامات بقتل الفلسطيني عودة هثلين العام الماضي.
وكان هثلين معلمًا للغة الإنجليزية وناشطًا في مجال السلام، واشتهر بمشاركته في الفيلم الوثائقي "لا أرض أخرى"، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل عام 2025.
ووفقًا لمنظمة "يش دين" الحقوقية، فإن آخر مرة وُجهت فيها تهمة قتل فلسطيني إلى مدني إسرائيلي في الضفة الغربية تعود إلى عام 2019.

وترى منظمة "بتسيلم" أن الإفلات من العقاب يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار العنف، معتبرة أن النظام القانوني الإسرائيلي يوفر الحماية للمتورطين في الاعتداءات ضد الفلسطينيين، سواء كانوا مستوطنين أو جنودًا.
وتؤكد المنظمة أن الوضع في الضفة الغربية تجاوز مفهوم الاحتلال العسكري التقليدي، متهمة إسرائيل باتباع سياسة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وتوسيع الوجود الإسرائيلي في المنطقة.
وتشير بيانات المنظمة إلى إنشاء نحو 200 بؤرة استيطانية جديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، أقامها مستوطنون من دون تراخيص رسمية، قبل أن تحصل بعض هذه البؤر لاحقًا على اعتراف رسمي من السلطات الإسرائيلية.
وغالبًا ما تُقام هذه البؤر فوق التلال وفي مواقع استراتيجية تسمح بالسيطرة على الأراضي الزراعية وقطع التواصل بين التجمعات الفلسطينية المختلفة.
وتقول المنظمة إن 64 تجمعًا فلسطينيًا اختفى بالكامل من الخريطة نتيجة عمليات التهجير، بينما تعرض 15 تجمعًا آخر لعمليات تهجير جزئية، ما أثر على نحو 5000 فلسطيني، كما تشير التقديرات إلى تهجير نحو 40 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي عليها.

وامتدت تداعيات التصعيد إلى القطاع التعليمي أيضًا، إذ تحدثت منظمات حقوقية عن تعرض مدارس فلسطينية لهجمات نفذها مستوطنون، إلى جانب عمليات هدم طالت بعض المؤسسات التعليمية، فضلًا عن مداهمات نفذها الجيش الإسرائيلي داخل جامعات واعتقال طلاب.
وتقول "بتسيلم" إن الأطفال الفلسطينيين ينشأون في بيئة يسودها الخوف وعدم الاستقرار، وسط شعور دائم بانعدام الأمان وعدم قدرة البالغين على حمايتهم.
وأمام تصاعد أعمال العنف، فرض الاتحاد الأوروبي عام 2024 عقوبات على عدد من المستوطنين المتهمين بارتكاب اعتداءات ضد الفلسطينيين، شملت تجميد الأصول وحظر السفر، كما اتخذت كل من كندا وأستراليا ونيوزيلندا إجراءات مماثلة، في حين رفضت السلطات السويسرية عام 2025 الانضمام إلى هذه العقوبات.
وتواصل منظمات حقوق الإنسان مطالبة المجتمع الدولي بممارسة مزيد من الضغوط على إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني وإنهاء أعمال العنف في الضفة الغربية المحتلة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.



